منوعات

من يتحكم في التدفق الإخباري على منصات التواصل الاجتماعي؟.. خوارزميات تخلق الواقع

الترند العربي – خاص

تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مجرد أدوات للتواصل إلى مصدر رئيسي للأخبار لملايين المستخدمين، لكن هذه الأخبار لا تصل إليهم بشكل عشوائي بل يتم اختيارها وتسليط الضوء عليها من خلال خوارزميات معقدة تعمل باستمرار. هذه الخوارزميات تقرر ما يستحق الظهور في خلاصتك وما سيُطمس، مما يثير تساؤلات جوهرية حول الشفافية وتشكيل الرأي العام في العصر الرقمي.

آلية عمل الخوارزميات: أكثر من مجرد عدّ الإعجابات

تعتمد خوارزميات التوصية على مئات العوامل التي تتجاوز مجرد عدد الإعجابات والمشاركات. تقوم بتحليل وقت بقائك على منشور معين، وتكرار تفاعلك مع محتوى مشابه، وحتى سرعة التمرير. الهدف المعلن هو إبقاؤك على المنصة لأطول فترة ممكنة، مما يدفع الخوارزمية إلى تقديم محتوى يثير اهتمامك الشخصي، حتى لو كان ذلك على حساب تنوع وجهات النظر أو دقة المعلومات.

تخلق هذه الآلية ما يُعرف بـ “فقاعة الترشيح”، حيث يرى المستخدم باستمرار محتوى يعزز معتقداته الحالية ويقلل من فرص تعرضه لأفكار مخالفة. هذا لا يؤثر فقط على تفضيلات المستخدم الثقافية، بل يمتد إلى كيفية تلقي الأحداث الجارية وتكوين صورة ذهنية عنها، مما يجعل من الصعب بناء حوار مجتمعي قائم على الحقائق المشتركة.

الأخبار المدفوعة والوصول العضوي: معادلة غير متكافئة

تلعب الميزانيات التسويقية دورًا حاسمًا في تحديد أي الأخبار تصل إلى جمهور أوسع. يمكن للكيانات الكبيرة، سواء كانت مؤسسات إعلامية تقليدية أو جهات ذات أجندات سياسية، دفع أموال لتعزيز وصول منشوراتها. في المقابل، قد يغيب المحتوى العضوي عالي الجودة من مصادر مستقلة أو محلية لأنه لا يملك الدعم المالي اللازم للتنافس على انتباه المستخدم.

يؤدي هذا إلى تحريف المشهد الإعلامي الرقمي، حيث تصبح القدرة على الدفع معيارًا للظهور وليس بالضرورة جودة أو أهمية الخبر. يحتاج المستخدم إلى وعي حاد بهذه الديناميكية لفهم أن ما يراه ليس انعكاسًا طبيعيًا للأهمية، بل نتيجة لمنافسة اقتصادية خفية تحدث خلف واجهة التطبيق البسيطة.

تأثير المحتوى العاطفي والمثير للجدل

تتعلم الخوارزميات بسرعة أن المحتوى الذي يثير مشاعر قوية مثل الغضب أو الفرح أو الخوف يحصل على تفاعل أعلى. لذلك، تميل إلى تفضيل الأخبار ذات العناوين المستفزة أو التي تقدم سرديات بسيطة ومتحيزة، على حساب التقارير المتوازنة والمعقدة. هذه الظاهرة تشجع على انتشار “الإعلام الاستقطابي” الذي يغذي الانقسامات بدلاً من أن يقدم تحليلاً موضوعيًا.

النتيجة هي تسريع انتشار الشائعات والمعلومات المضللة، لأنها غالبًا ما تكون ملفعة بعباءة عاطفية تجعلها تنتشر كالنار في الهشيم. يصبح تحقق المستخدم من مصدر الخبر وتقييمه بعقلانية أمرًا ثانويًا في مواجهة قوة الدفع العاطفي الذي تم تصميم المنصة لتعظيمه.

التخصيص الشديد وفقدان السياق الجماعي

بينما يقدم التخصيص تجربة فريدة لكل مستخدم، فإنه يفتت مفهوم “الحدث الهام” الذي يشكل خبرة جماعية. لم يعد هناك قصة رئيسية واحدة يتابعها الجميع، بل هناك آلاف النسخ المخصصة من الواقع. هذا يجعل من الصعب على المجتمعات مناقشة قضايا مشتركة بناءً على أساس معلوماتي متشابه، مما قد يضعف التماسك الاجتماعي ويصعب عملية صنع القرار الجماعي.

يخلق هذا النظام أيضًا تحديات للمؤسسات الإعلامية التي تحاول تقديم تقارير شاملة، حيث قد لا يصل محتواها إلا إلى شريحة ضيقة من الجمهور الذي اختارت الخوارزميات أنه مهتم مسبقًا بهذا النوع من المحتوى، تاركة غالبية المستخدمين في عزلة معلوماتية داخل اهتماماتهم الضيقة.

مستقبل التحرر من الخوارزمية: هل هو ممكن؟

بدأت بعض المنصات في تقديم خيارات مثل إعادة الترتيب الزمني للخلاصة أو إلغاء التوصيات، لكنها تبقى إعدادات ثانوية لا تغير من جوهر النظام. الحل الحقيقي يتطلب وعيًا جماعيًا وضغطًا من المستخدمين والمشرعين للمطالبة بدرجة أكبر من التحكم والشفافية. يمكن أن يشمل ذلك إتاحة فهم أفضل لكيفية عمل التوصيات، أو خيارات تصفية أكثر قوة يتحكم فيها المستخدم بشكل كامل.

في النهاية، فإن فهم أن خلاصة الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي هي منتج مُصمم وليس انعكاسًا محايدًا للواقع، هو الخطوة الأولى نحو استهلاك إعلامي أكثر نقدية. يتطلب هذا جهدًا واعيًا من الفرد للبحث عن مصادر متنوعة وخارج دائرة الراحة التي ترسمها الخوارزميات، لاستعادة جزء من السياق الأوسع للعالم من حوله.

أسئلة وأجوبة شائعة

س: كيف أتأكد من أن الخبر الذي أراه على وسائل التواصل الاجتماعي مهم وموثوق؟
ج: لا تعتمد على المنصة كمرجع وحيد. تحقق دائمًا من المصدر الأصلي للخبر، وابحث عن تغطية نفس الحدث من وسائل إعلامية مستقلة ومختلفة. انظر إلى تاريخ الناشر وسمعته في التحقق من الحقائق.

س: هل يمكنني إعادة ضبط الخوارزمية التي تتحكم في ما أراه؟
ج: يمكنك التأثير عليها جزئيًا. حاول التفاعل بنشاط مع أنواع المحتوى والمواقع التي تريد رؤية المزيد منها، وقم بإلغاء متابعة أو إخفاء المحتوى الذي لا ترغب فيه. استخدم خاصية “الخلاصة الزمنية” إن وجدت بدلاً من الخلاصة الموصى بها.

س: ما هو أكبر خطر لاعتماد الناس على وسائل التواصل الاجتماعي للأخبار؟
ج> الخطر الأكبر هو تكوين صورة مشوهة ومجزأة للواقع، حيث يعيش كل فرد في فقاعة إعلامية تعزز تحيزاته وتقطع الصلة بالحقائق الموضوعية المشتركة، مما يقوض الحوار المجتمعي السليم.

س: هل تتحمل منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية نشر المعلومات المضللة؟
ج> نعم، تتحمل مسؤولية كبيرة بسبب دور خوارزمياتها في تعزيز المحتوى الذي يحصل على تفاعل عالٍ بغض النظر عن دقته. هناك مطالبات متزايدة بأن تتبنى هذه المنصات مبادئ النشر المسؤول وتطبق سياسات أكثر صرامة للتحقق من المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى