السيارات الكهربائية تتفوّق على البنزين في مبيعات أوروبا لأول مرة
الترند بالعربي – متابعات
في تحوّل تاريخي يعكس تغيّرًا عميقًا في سلوك المستهلك الأوروبي وبنية صناعة السيارات، تجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية بالكامل مبيعات سيارات البنزين في السوق الأوروبية للمرة الأولى، وفق بيانات حديثة صادرة عن جهات متخصصة في تتبع أسواق السيارات.
هذا التطور لا يُعد رقمًا عابرًا في سجلات المبيعات، بل مؤشرًا على مرحلة جديدة تدخلها القارة العجوز، حيث تتقدّم التقنيات النظيفة من موقع البديل إلى موقع القيادة، مدفوعة بضغوط بيئية متصاعدة، وتشريعات صارمة، واستثمارات ضخمة تعيد رسم مستقبل التنقل.
هذا التحول اللافت جاء بعد سنوات من الترقب والتجارب التدريجية، ليؤكد أن أوروبا باتت أقرب من أي وقت مضى إلى فك الارتباط التاريخي مع محركات الاحتراق الداخلي، والانتقال إلى نموذج تنقل أكثر استدامة، سواء على مستوى السياسات أو الخيارات الفردية للمستهلكين.

أرقام غير مسبوقة تعيد ترتيب السوق
تشير البيانات الصادرة عن مؤسسات رصد أسواق السيارات في أوروبا إلى أن السيارات الكهربائية بالكامل استطاعت خلال الأشهر الأخيرة التفوق على سيارات البنزين من حيث عدد الوحدات المباعة، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ نشأة صناعة السيارات الحديثة في القارة.
ويُظهر هذا التفوق أن حصة السيارات الكهربائية لم تعد مقتصرة على فئات محدودة أو أسواق بعينها، بل أصبحت خيارًا رئيسيًا في دول كبرى مثل ألمانيا و**فرنسا** و**المملكة المتحدة**، إضافة إلى دول الشمال الأوروبي التي سبقت غيرها في هذا المسار.
في المقابل، واصلت مبيعات سيارات البنزين التراجع بوتيرة متسارعة، متأثرة بارتفاع تكاليف التشغيل، وتشديد معايير الانبعاثات، وتغيّر نظرة المستهلكين إلى مستقبل هذا النوع من المركبات.
العوامل المحركة للانقلاب الكبير
لم يأتِ هذا التحول من فراغ، بل تقاطعت عدة عوامل لتدفع السيارات الكهربائية إلى الصدارة في السوق الأوروبية. في مقدمة هذه العوامل، تأتي السياسات البيئية الصارمة التي تبنّاها الاتحاد الأوروبي، والتي فرضت حدودًا متشددة على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ورفعت كلفة عدم الالتزام بهذه المعايير على شركات السيارات.
إلى جانب ذلك، لعب الدعم الحكومي دورًا حاسمًا، من خلال الحوافز المالية المباشرة، والإعفاءات الضريبية، وتسهيلات الشراء، إضافة إلى الامتيازات المرتبطة باستخدام السيارات الكهربائية داخل المدن، مثل الدخول إلى المناطق منخفضة الانبعاثات، أو الحصول على مواقف مجانية أو مخفّضة.

تحسن التكنولوجيا يغيّر المعادلة
أحد أبرز أسباب الإقبال المتزايد على السيارات الكهربائية يتمثل في التطور السريع للتكنولوجيا المرتبطة بالبطاريات. فقد تحسّن مدى السير بشكل ملحوظ، ما بدد مخاوف شريحة واسعة من المستهلكين كانت ترى في محدودية المسافة عائقًا رئيسيًا أمام الشراء.
كما أسهم انخفاض تكاليف البطاريات نسبيًا في طرح طرازات كهربائية بأسعار أكثر تنافسية، لم تعد حكرًا على الفئات الفاخرة. هذا التنوع السعري جعل السيارات الكهربائية خيارًا واقعيًا لشرائح أوسع من المجتمع الأوروبي، من العائلات إلى المستخدمين التجاريين.
البنية التحتية للشحن.. من العائق إلى الحافز
شهدت أوروبا خلال السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في البنية التحتية لمحطات شحن السيارات الكهربائية، سواء في المدن أو على الطرق السريعة. هذا التوسع لم يكن كميًا فقط، بل نوعيًا أيضًا، مع انتشار محطات الشحن السريع التي تقلل زمن الانتظار وتزيد من سهولة الاستخدام.
وتشير تقارير أوروبية إلى أن عدد نقاط الشحن العامة ارتفع بنسبة كبيرة مقارنة بما كان عليه قبل خمس سنوات، ما ساهم في إزالة أحد أبرز الحواجز النفسية أمام التحول إلى السيارات الكهربائية.

شركات السيارات تغيّر استراتيجياتها
في مواجهة هذا الواقع الجديد، سارعت شركات السيارات الأوروبية والعالمية إلى إعادة هيكلة استراتيجياتها الإنتاجية والاستثمارية. العديد من الشركات أعلنت خططًا واضحة للتخلي التدريجي عن محركات البنزين والديزل خلال العقد المقبل، والتركيز على تطوير منصات كهربائية خالصة.
هذا التحول لا يقتصر على الإنتاج فقط، بل يشمل سلاسل التوريد، والبحث والتطوير، وتدريب القوى العاملة، ما يشير إلى أن صناعة السيارات الأوروبية تمر بمرحلة إعادة تشكيل شاملة، قد تكون الأكبر منذ الثورة الصناعية الثانية.
تراجع البنزين.. نهاية أم مرحلة انتقالية؟
رغم التراجع الواضح في مبيعات سيارات البنزين، يرى بعض المحللين أن هذه الفئة لن تختفي بين ليلة وضحاها، بل ستدخل مرحلة انتقالية تتقلص خلالها تدريجيًا لصالح السيارات الكهربائية والهجينة.
غير أن الاتجاه العام يبدو واضحًا، خاصة مع اقتراب مواعيد الحظر الجزئي أو الكامل لمحركات الاحتراق الداخلي في عدد من الدول الأوروبية خلال الثلاثينيات من هذا القرن، ما يجعل الاستثمار طويل الأجل في سيارات البنزين خيارًا أقل جاذبية للمستهلكين.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي للتحول
هذا التحول العميق في سوق السيارات لا ينعكس فقط على أرقام المبيعات، بل يمتد إلى الاقتصاد الأوروبي ككل. فمن جهة، يفتح آفاقًا جديدة لقطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة، ويعزز فرص الابتكار وخلق وظائف جديدة.
ومن جهة أخرى، يفرض تحديات على قطاعات تقليدية مرتبطة بصناعة محركات الاحتراق، ما يستدعي سياسات انتقال عادلة تضمن إعادة تأهيل العمالة وتجنب صدمات اجتماعية في بعض المناطق الصناعية.
البيئة في قلب المعادلة
لا يمكن فصل هذا التحول عن الأهداف البيئية التي وضعتها أوروبا لنفسها، وفي مقدمتها الوصول إلى الحياد الكربوني خلال العقود المقبلة. فالسيارات الكهربائية تمثل أداة مركزية في تقليص انبعاثات قطاع النقل، الذي يُعد من أكبر مصادر التلوث في القارة.
ومع تزايد الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء، تزداد الجدوى البيئية للسيارات الكهربائية، ما يعزز مكانتها كخيار استراتيجي طويل الأمد.
مستقبل التنقل في أوروبا
تفوق السيارات الكهربائية على البنزين في المبيعات ليس سوى بداية لمسار أوسع سيعيد تعريف مفهوم التنقل في أوروبا. فالمستقبل لا يتعلق فقط بنوع المحرك، بل بنماذج استخدام جديدة، تشمل المشاركة في المركبات، والربط بين النقل الكهربائي والرقمي، وتكامل السيارات مع المدن الذكية.
ويرى مراقبون أن السنوات القليلة المقبلة ستشهد تسارعًا أكبر في هذا الاتجاه، مع دخول طرازات جديدة، وتحسن إضافي في التكنولوجيا، وتوسع أكبر في البنية التحتية، ما يجعل العودة إلى الوراء خيارًا شبه مستحيل.
متى تفوقت السيارات الكهربائية على البنزين في أوروبا؟
خلال الأشهر الأخيرة، وفق بيانات حديثة صادرة عن جهات متخصصة في تتبع أسواق السيارات الأوروبية.
ما أبرز أسباب هذا التفوق؟
تشديد المعايير البيئية، الدعم الحكومي، تحسن تكنولوجيا البطاريات، وتوسع البنية التحتية للشحن.
هل يعني ذلك نهاية سيارات البنزين؟
ليس فورًا، لكنها تدخل مرحلة تراجع تدريجي مع اقتراب تطبيق قرارات تنظيمية تحد من استخدامها.
هل الأسعار ما زالت عائقًا أمام السيارات الكهربائية؟
تراجعت الأسعار نسبيًا مع تنوع الطرازات والدعم الحكومي، ما جعلها أكثر تنافسية من السابق.
ما تأثير هذا التحول على صناعة السيارات الأوروبية؟
يدفع الشركات إلى إعادة هيكلة استثماراتها وخطوط إنتاجها، ويفتح آفاقًا جديدة للابتكار والتوظيف.
بهذا الإنجاز غير المسبوق، تؤكد أوروبا أنها ماضية بثبات نحو مستقبل تنقل مختلف، حيث تتقدم السيارات الكهربائية من الهامش إلى القلب، في تحول تاريخي قد يغيّر وجه الصناعة والبيئة معًا.
اقرأ أيضًا: «أوكي جوجل» تحت المساءلة.. 68 مليون دولار تسويةً لاتهامات التجسس الصوتي وانتهاك الخصوصية



