آراء

الطفل المصري إلى أين؟

الترند العربي – متابعات
التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، حقيقة ورثناها وفهمناها وعرفناها وعلمناها وتعلمناها على امتداد الحياة، لكون الطفل مثل أرضية خصبة قابلة للتشكل والتكوين والبناء بحكم ما تتلقاه من ثوابت وقيم وأخلاقيات وعلوم، تصبح بمثابة جذور تصلح لأن تنتج حصادا طيبا إن أُحسِنَ رواؤها وتغذيتها بما ستحتاجه من فيتامينات الوعى والمعرفة- إذا صح التعبير- والطفل المصرى بالرغم من استعداده الفطرى للتعلم وذكائه المتفرد كان ولا يزال يواجه تحديات وعوائق كبيرة وكثيرة حالت بينه وبين نموه فكريا وسلوكيا بالشكل الطبيعى، فبمجرد بلوغه العامين- وهى أولى مراحل التعلم عند الأطفال- يتلقى أولى صدماته في مشوار البناء المستقبلى وذلك عندما يجد نفسه متروكا من المحيطين به أمام جهاز أصم جامد يتعوده ويأنس إليه ويغوص من خلاله في عالم افتراضى يعطيه أول دروس العزلة والتقوقع، وهذا الجهاز هو الكمبيوتر، أخطر نافذة يطل منها الطفل على ما قد يجاوز تصوراته وخيالاته، فيبصر بعيون الكبار ما لا يدركه الصغار، ويكاد يكون عجوزا في مقتبل العمر، لذلك سرعان ما تتحول خبراته المكتسبة تلك إلى عبء عليه بمرور الزمن.

عندما يبلغ الطفل المرحلة التمهيدية للمدرسة، تتكون أولى رحلاته في طريق الاغتراب بنزع جذور هويته، وبدلا من تقوية علاقته بلغته ومساعدته على تعلمها وإجادتها كى يعبر عن نفسه بطلاقة، إذا بغالبية أنظمة التعليم الخاص والدولى تفرض عليه تعلم اللغات الأجنبية حديثا وتعلما وانتماء، وكلما برع فيها اُعتُبِرَ متفوقا ومتميزا ومعاصرا، وقد ساهم في عملية التغريب تلك عند الأطفال تنافسهم فيما بينهم على اقتناء أغلى الحقائب وأشهر برندات الملابس وأحدث أنواع الموبايلات والكمبيوترات المصاغة برامجها بغير اللغة العربية.

ورويدا رويدا يحاط الطفل بالسلبيات ويفقد الثوابت وينفصل عن ذاته وعن محيطه التقليدى والموروث؛ فيستهين بالعادات والتقاليد، ولم لا؟ وهو برغم مصريته يرتوى معرفيا من روافد لا تمت له ولمجتمعه بأى صلة.

الأمر الأخطر هو أنه عندما يبدأ الطفل المصرى المرحلة الإلزامية في المدرسة، يتعلم كيف يكرهها!، وربما كيف يتحايل على الظروف من أجل الهروب منها

بسبب المناهج الدراسية المغلفة والمبطنة بالحشو والتكرار والتى تعلم التلقين والحفظ وتنمى ملكة الفهلوة، في الوقت الذي تناصب فيه العداء للتأمل والإبداع والابتكار، فيردد الطفل ولا يفهم، وينجح في الامتحانات ويتقدم في سنوات الدراسة دون أن تتكون لديه أولويات وقناعات ومخططات تعينه على بناء الواقع، وتمهد لصناعة المستقبل، لذلك تنقطع علاقته بالكتاب والقراءة والاطلاع، وتنحصر طاقاته وولى أمره في البحث الدائم عن المدرسين والدروس الخصوصية، ناهيك عن خلو المدارس من المسارح والملاعب والندوات التثقيفية والمسابقات الفنية، بالإضافة إلى الإعلام الذي وَلى ظهره للطفل منذ زمن ولم يعد يقدم له البرامج التي تسليه وتمتعه وتغذى وعيه.

إن نمو الطفل المصرى بهذه الصورة لن يسهم مطلقا في تغيير الواقع وإعادة بناء المستقبل، لأن بناءه المعرفى قائم على أعمدة واهية، فلا هو مبدع ولا هو مثقف ولا هو ممتلك لثوابت وأولويات تحميه من العولمة الطاغية القاتلة للانتماء وتثرى الخيال وملكة الابتكار والإبداع، ولا أشك لحظة في أن ضرب عمق الوعى المصرى في مقتل، كامن في تغييب الطفل عن الإدراك ودفعه دفعا إلى التعلم دون الاهتمام الحقيقى بمحتوى التعليم ومخرجاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى