
الدبلوماسية الشعبية.. القوة الناعمة المعطلة
عمر غازي
كيف يمكن لتصرف عابر من طالب مبتعث أو سائح أو حتى مغرّد على منصة رقمية أن يعيد تشكيل صورة دولة كاملة في ذهن إنسان لم يزرها قط، بينما تعجز مؤسسات كاملة عن تحقيق الأثر ذاته، وهل المشكلة في أدوات التأثير أم في إدراك من يحمل الصورة فعلًا، إذ لم تعد العلاقات بين الدول تُبنى فقط عبر السفارات، بل عبر الناس أنفسهم، عبر الطالب في جامعته، والعامل في شركته، والسائح في تفاصيل يومه، والناشط في كلماته التي تتجاوز الحدود في لحظة، حيث تتحول كل هذه الأدوار إلى رسائل غير مكتوبة، لكنها الأكثر تأثيرًا، وهنا يظهر مفهوم “الدبلوماسية الشعبية أو الدبلوماسية العامة” (Public Diplomacy) ليس كمصطلح نظري، بل كواقع يومي يُمارس دون وعي في كثير من الأحيان، ويُهمل رغم خطورته في تشكيل الصورة الذهنية للدول.
ففي ذروة الحرب الباردة، لم تعتمد الولايات المتحدة فقط على خطابها السياسي، بل استثمرت في الإنسان ذاته، عبر برامج التبادل الثقافي والتعليم، حيث استقبلت آلاف الطلاب والباحثين من مختلف دول العالم، وقد أظهرت دراسة صادرة عن “كلية كينيدي بجامعة هارفارد” عام 2010 أن أكثر من 70% من المشاركين في هذه البرامج احتفظوا بانطباع إيجابي طويل المدى تجاه الولايات المتحدة، بينما أصبح عدد كبير منهم لاحقًا في مواقع قيادية داخل بلدانهم، وهو ما يعكس كيف تتحول التجربة الشخصية إلى رصيد سياسي غير مباشر، إذ إن العلاقة لم تكن مع الدولة فقط، بل مع المجتمع، مع الناس، مع التفاصيل اليومية التي لا يمكن صناعتها داخل قاعات الاجتماعات.
لكن ما لم يُفهم بالقدر الكافي، أن هذه القوة لا تعمل فقط عبر من تستقبلهم الدول، بل عبر من ترسلهم أيضًا، إذ إن الطالب المبتعث لا يذهب ليتعلم فقط، بل ليُرى، والعامل في الخارج لا يؤدي وظيفته فقط، بل يمثل ثقافة، والسائح لا يزور فقط، بل يترك أثرًا، والناشط على وسائل التواصل لا يكتب فقط، بل يعيد تشكيل صورة كاملة في ذهن متابعيه، وهنا تتشكل أخطر زوايا هذه القوة، لأنها غير مركزية، ولا تخضع لإدارة مباشرة، لكنها تبني أو تهدم الصورة الذهنية للدولة دون إعلان، وقد أظهرت دراسة صادرة عن “المجلس الثقافي البريطاني” عام 2022 أن التجارب الشخصية المباشرة مع أفراد من دولة معينة تؤثر في تكوين الانطباع العام بنسبة تتجاوز 60% مقارنة بالمحتوى الإعلامي، بينما تشير تقارير رقمية متعددة إلى أن الأفراد على المنصات باتوا مصدرًا رئيسيًا لتشكيل الآراء، إذ يميل الجمهور إلى الثقة بالأشخاص أكثر من المؤسسات.
وفي تجارب دولية ناجحة، لم يُترك هذا الدور للصدفة، إذ عملت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية على ترسيخ صورة مواطنيها في الخارج كجزء من صورتها الوطنية، من الانضباط إلى احترام الوقت إلى جودة العمل، وهي سلوكيات لم تكن فردية بقدر ما كانت امتدادًا لثقافة عامة تم ترسيخها داخليًا، وقد أظهرت دراسة صادرة عن “جامعة طوكيو” عام 2018 أن الصورة الإيجابية لليابانيين في الخارج ساهمت بشكل مباشر في تعزيز الثقة بالمنتجات اليابانية، وهو ما انعكس على الاقتصاد، حيث أصبح الإنسان نفسه جزءًا من العلامة الوطنية.
وفي تجربة أخرى، لم تعتمد كوريا الجنوبية فقط على تصدير الثقافة، بل على سلوك مواطنيها في الخارج، وعلى حضورهم حتى في الفضاء الرقمي، حيث ارتبطت صورة الكوريين بالاحترافية والتنظيم، بينما لعب صناع المحتوى دورًا غير مباشر في نقل هذه الصورة، وقد أظهرت دراسة صادرة عن “مؤسسة كوريا” عام 2021 أن الانطباع الإيجابي عن الأفراد الكوريين في الخارج، إضافة إلى حضورهم الرقمي، ساهم في زيادة الثقة بالعلامات التجارية الكورية بشكل ملحوظ، وهو ما يؤكد أن الصورة الذهنية لا تُبنى فقط عبر ما تراه الشعوب على الشاشات، بل عبر ما تعيشه في الواقع، وما تتابعه من أشخاص حقيقيين.
لكن في المقابل، حين تغيب هذه الرؤية، يتحول المواطن في الخارج، والمغرد في الداخل، إلى عنصر عشوائي في معادلة حساسة، إذ قد يُقدّم صورة إيجابية دون قصد، أو يُسيء دون وعي، وهنا تظهر مسؤولية الدولة، ليس في التحكم، بل في التوعية، إذ إن هذه القوة لا تعني التدخل في سلوك الأفراد، بل تعني بناء وعي جماعي بأن كل فرد في الخارج، وكل صوت في الفضاء الرقمي، هو سفير غير رسمي، وأن كلماته وتصرفاته لا تمثله وحده، بل تمتد لتشكل صورة وطن كامل.
وقد أظهرت دراسة صادرة عن “معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد” عام 2023 أن الثقة في المحتوى الرقمي تتراجع عالميًا، بينما تزداد أهمية التجارب المباشرة والمصادر البشرية في تشكيل الآراء، وهو ما يعيد الاعتبار لدور الإنسان كوسيط أساسي في نقل الصورة، سواء كان حاضرًا في الواقع أو عبر شاشة.
وهنا تكمن المفارقة، إذ تستثمر الدول في الإعلام، وفي الحملات، وفي الرسائل، لكنها قد تهمل أهم أداة لديها، الإنسان نفسه، تتركه دون توجيه، دون وعي، دون إدراك لحجم الدور الذي يلعبه، بينما في الحقيقة، كل تصرف بسيط، وكل كلمة منشورة، قد تكون أكثر تأثيرًا من بيان رسمي، وكل تجربة فردية قد تعيد تشكيل صورة دولة كاملة.
فهل المشكلة في غياب الإمكانيات، أم في غياب الوعي بأن أخطر أدوات التأثير لم تعد في المؤسسات وحدها، بل في البشر، في سلوكهم، في حضورهم، في كلماتهم، وأن كل مواطن في الخارج، وكل مغرد في الداخل، هو بالفعل سفير لبلده، لكن السؤال الذي يبقى، هل نترك هذه السفارات العشوائية تعمل بلا وعي، أم نحولها إلى قوة ناعمة حقيقية قادرة على صناعة الفارق.



