
جيل ما بعد الشاشة.. هل يولد جيل يرفض العيش داخل منصات التواصل الاجتماعي؟
عمر غازي
في عام 2023 نشرت شركة “Morning Consult” دراسة شملت آلاف الشباب في الولايات المتحدة حول علاقتهم بالمنصات الرقمية، وأظهرت النتائج أن نحو 31% من مستخدمي “جيل زد” قالوا إنهم يرغبون في تقليل حضورهم على “السوشيال ميديا” خلال السنوات القادمة، بينما قال 22% إنهم يفكرون في حذف بعض حساباتهم نهائيًا، لم تكن هذه النسبة مجرد تفضيل شخصي عابر، بل إشارة إلى تحول ثقافي داخل الجيل الذي وُلد أساسًا في بيئة رقمية، جيل لم يعرف الحياة قبل الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، لكنه بدأ يعيد النظر في مكان هذه المنصات داخل حياته اليومية.
خلال العقدين الماضيين ارتبط صعود الإنترنت بفكرة أن الأجيال الجديدة ستكون أكثر اندماجًا في الحياة الرقمية من الأجيال السابقة، وقد بدا هذا التصور صحيحًا لسنوات طويلة، إذ تشير بيانات تقرير “Digital 2024” الصادر عن “DataReportal” إلى أن الفئة العمرية بين 18 و24 عامًا هي الأكثر استخدامًا للمنصات الرقمية عالميًا، لكن المؤشرات الحديثة توحي بأن العلاقة مع هذه المنصات بدأت تدخل مرحلة مختلفة، ليس مرحلة الانسحاب الكامل، بل مرحلة إعادة التوازن.
في دراسة أجرتها شركة “GWI” عام 2024 حول سلوك المستخدمين الشباب في أكثر من 40 دولة، قال نحو 38% من المشاركين إنهم يحاولون بوعي تقليل الوقت الذي يقضونه على منصات التواصل الاجتماعي، بينما قال 27% إنهم أصبحوا أكثر انتقائية في اختيار المنصات التي يستخدمونها، وهو ما يعكس بداية انتقال من الاستخدام المفتوح وغير المحدود إلى استخدام أكثر انتقائية وتنظيمًا.
اللافت في هذه المؤشرات أن التغيير لا يحدث فقط في مقدار الاستخدام، بل في تصور الجيل الجديد لوظيفة المنصات نفسها، ففي السنوات الأولى لانتشار “السوشيال ميديا” كانت المنصات تمثل مساحة لاكتشاف العالم والتواصل مع الآخرين، أما اليوم فقد أصبح كثير من الشباب ينظرون إليها بوصفها بيئة مكتظة بالمحتوى المتكرر والإعلانات والتوصيات الخوارزمية، وهو ما يدفع بعضهم للبحث عن تجارب رقمية مختلفة.
تشير دراسة نشرتها جامعة “Amsterdam” عام 2024 حول سلوك الشباب الرقمي إلى أن نسبة متزايدة منهم تفضل المساحات الرقمية الأصغر مثل المجتمعات المغلقة أو المنصات المتخصصة بدل المنصات العامة الضخمة، أي أن التفاعل الرقمي نفسه بدأ ينتقل من البيئة المفتوحة الواسعة إلى بيئات أكثر تركيزًا وخصوصية، وهو تحول قد يعكس تغيرًا في طبيعة ما يبحث عنه المستخدمون من التجربة الرقمية.
في الوقت نفسه بدأت تظهر مؤشرات على أن الجيل الجديد أصبح أكثر حساسية لفكرة “الضجيج الرقمي”، أي الكمية الكبيرة من المحتوى التي تحيط بالمستخدم يوميًا دون أن تكون ذات صلة مباشرة بحياته، وتشير أبحاث من جامعة “Copenhagen” عام 2023 إلى أن التعرض المستمر لهذا التدفق المعلوماتي قد يقلل القدرة على التركيز لفترات طويلة، وهو ما يدفع بعض المستخدمين الشباب إلى البحث عن بيئات رقمية أقل ازدحامًا.
هذه التحولات قد تمهد لمرحلة مختلفة في تطور الإنترنت نفسه، فبدل المنصات الضخمة التي تجمع مئات الملايين من المستخدمين في تدفق واحد للمحتوى، قد نشهد ظهور نماذج جديدة تقوم على مجتمعات رقمية أصغر وأكثر تخصصًا، حيث يتفاعل المستخدم مع مجموعة محدودة من الأشخاص أو الموضوعات بدل التواجد داخل تدفق عالمي مفتوح.
بعض الباحثين في دراسات الإعلام الرقمي يرون أن هذه المرحلة قد تشهد انتقال الإنترنت من نموذج “المنصة الشاملة” إلى نموذج “البيئات الرقمية المتخصصة”، حيث تصبح المنصات أقل اتساعًا لكنها أكثر عمقًا في التفاعل، أي أن القيمة لن تكون في عدد المستخدمين فقط، بل في نوعية التجربة الرقمية التي تقدمها هذه المنصات.
وفي هذا السياق قد يتغير أيضًا تصور الجيل الجديد للحضور الرقمي، فبدل السعي المستمر للبقاء متصلًا بالمنصات طوال الوقت، قد يصبح الاستخدام أكثر ارتباطًا بالوظيفة، مثل التعلم أو التواصل المحدد أو متابعة الاهتمامات الشخصية، وهو ما قد يعيد رسم الحدود بين الحياة الرقمية والحياة الواقعية بطريقة مختلفة عما عرفناه خلال العقدين الماضيين.
هذه المؤشرات لا تعني نهاية المنصات الرقمية، لكنها قد تشير إلى بداية مرحلة جديدة في تطورها، مرحلة يصبح فيها المستخدم أكثر وعيًا بدوره داخل البيئة الرقمية، وأكثر قدرة على تحديد شكل العلاقة التي يريدها مع التكنولوجيا.
ويبقى السؤال مطروحًا، إذا كان الجيل الذي نشأ داخل “السوشيال ميديا” بدأ يعيد تعريف علاقته بمنصات التواصل الاجتماعي، فهل نشهد خلال السنوات القادمة ظهور جيل رقمي جديد يعيد رسم شكل الإنترنت نفسه؟



