كُتاب الترند العربيعمر غازي

الذنب.. حين لا نعرف مصدره

عمر غازي

في موقف عابر، يعتذر المرء عن شيء لم يرتكبه.
لا خطأ واضح، ولا إساءة مقصودة،
ومع ذلك يخرج الاعتذار تلقائيًا،
كأنه ردّ محفوظ أكثر منه قرارًا واعيًا.

بعدها بقليل، يتوقف عند الإحساس.
لماذا الاعتذار؟
ولماذا هذا الثقل الخفيف في الصدر،
كأن هناك تقصيرًا غير مرئي يحتاج إلى تبرير؟

الذنب لا يأتي دائمًا بعد خطأ.
أحيانًا يأتي بعد الاختيار.
اختيار أن يقول لا،
أو أن يتأخر،
أو أن يضع نفسه في موضع متقدم لأول مرة.

الذنب هنا ليس صوت ضمير،
بل صدى توقعات لم تُقال بصوت عالٍ.
توقعات بأن يكون متاحًا،
ومتفهمًا،
ومستعدًا لتحمّل المزيد دون اعتراض.

وحين لا يفعل،
لا يحدث صدام واضح،
ولا مواجهة مباشرة،
لكن الذنب يظهر بهدوء،
كأنه سؤال داخلي لا يطلب إجابة:
هل كان ينبغي أن أكون ألين؟
أكثر صبرًا؟
أقل وضوحًا؟

الذنب لا يصرخ.
هو إحساس مهذّب،
يتسلل عبر التفاصيل الصغيرة.
في التردد قبل الرد،
وفي مراجعة الكلمات بعد قولها،
وفي الشعور بأن هناك دينًا غير محدد يجب سداده.

الغريب أن الذنب يشتدّ حين تكون الأمور منطقية.
حين يكون القرار صحيحًا،
والحدود واضحة،
والاختيار محسوبًا.

كأن العقل يوافق،
لكن الإحساس يطلب ثمنًا إضافيًا.

الذنب لا يعترض على الخطأ فقط،
بل يعترض على الخروج عن الدور.
الدور الذي اعتاد الآخرون رؤيته،
حتى لو لم يكن اختيارًا واعيًا في البداية.

ومع الوقت،
يتحوّل الذنب إلى رفيق صامت.
ليس قويًا بما يكفي ليمنع الحركة،
ولا ضعيفًا بما يكفي ليختفي.

يجعل المرء يمضي قُدمًا،
لكن بخطوات محسوبة،
وصوت داخلي يرافقه دائمًا:
هل بالغت؟
هل كان يجب أن أتحمّل أكثر؟

وأخطر ما في الذنب…
أنه لا يمنع العيش،
بل يجعل العيش نفسه
مشروطًا بالتبرير المستمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى