
الثقة بالنفس ليست كما نعتقد
ملك الحازمي
هناك لحظات يمرّ فيها الإنسان بين الناس بخفّة، لا لأن الطريق خالٍ من التحديات، بل لأنه تصالح مع نفسه قليلاً. لا يحاول أن يبدو أقوى مما يشعر، ولا يبالغ في إخفاء ارتباكه. يمشي بهدوء، كما لو كان يعرف أن الثقة ليست صلابة دائمة، بل طمأنينة داخلية، همسٌ خفيف يقول خفيفاً يقول: “أنا كما أنا… وهذا يكفي الآن”.
وربما هذا الشعور الهادئ هو ما يحاول علم النفس تفسيره حين يتحدث عن الثقة بالنفس، فهي تقدير واقعي للقدرات، وإحساس بالقدرة على التعامل مع المواقف المختلفة. ليست غياب الخوف، بل الاستمرار رغم وجوده، وترتبط بما يُعرف بالكفاءة الذاتية، أي اعتقاد الإنسان أنه قادر على التعلّم والتكيّف حتى عندما لا تكون الظروف مثالية.
بعيداً عن المصطلحات، تظهر الثقة في تفاصيل يومنا العادية. موظف يعبّر عن رأيه في اجتماع بهدوء، وطالبة تقدّم عرضها رغم ارتباكها، وشخص يعتذر عن مناسبة لأنه يحتاج وقتاً لنفسه بدل الموافقة مجاملة. وفي العلاقات، قد تكون الثقة في قول ما نحب وما لا نحب بلطف، دون خوف مبالغ فيه من خسارة الآخر.
كثيرون يعتادون الموافقة على كل شيء خشية زعل الآخرين، ثم يتعلّمون تدريجياً وضع حدود صغيرة تحمي راحتهم. أمّ تعترف لأبنائها أنها أخطأت، أو شابة تختار ما يناسب ذوقها دون قلق زائد من نظرة الناس… مواقف بسيطة لكنها تعكس ثقة هادئة بالنفس.
ولأن التجارب لا تتشابه، قد تمرّ الثقة بلحظات اهتزاز عميقة. هناك من تتأثر ثقته بتجارب التنمّر أو المقارنات المستمرة، وقد يتأخر شخص في مسيرته الوظيفية لظروف مختلفة، فيصبح أكثر حساسية تجاه نظرة الآخرين. هذا الشعور مفهوم، لكنه لا يعني أن قيمته أقل أو أن خطواته المتأخرة بلا معنى. قد يظن البعض أن ضعف الثقة يعني ضعف القدرة، بينما الحقيقة أن كثيراً ممن تقلّ ثقتهم بأنفسهم يملكون ما يكفي من المهارات، لكن أصوات الشك القديمة تجعلهم يترددون قبل الخطوة الأولى. ولكل إنسان أدواته الخاصة وإيقاعه المختلف، فلا يشبه طريقُ أحدٍ طريقَ الآخر، ولا يحتاج الإنسان أن يكون نسخة متطابقة مع من حوله ليشعر بالكفاية.
الخوف من التعبير عن الرغبات أو الآراء شعور يمر فيه كثيرون. قد يختار الإنسان الصمت خوفاً من الرفض أو سوء الفهم، لكنه يكتشف مع الوقت أن الوضوح اللطيف لا يفسد العلاقات، بل يمنحها صدقاً وراحة أكبر. أحياناً تكون الثقة مجرد جملة بسيطة نقولها لأنفسنا: “هذا يناسبني” أو “أفضل أن أفعل الأمر بهذه الطريقة”.
ومع هذه التفاصيل الصغيرة تتكوّن صورة أوسع للثقة بالنفس؛ صورة لا تبحث عن الكمال بقدر ما تتعلّم تقبّل الذات، ربما لا تأتي الثقة في لحظة واحدة، بل تنمو بصمت بين التجارب اليومية، في كل مرة نختار فيها أن نكون أقرب لأنفسنا بدل أن نكون نسخة ترضي الجميع.
قد لا يتغيّر العالم حولنا سريعاً، وقد تبقى بعض الأصوات أو الذكريات في الذاكرة، لكن ما يتغيّر حقًا هو نظرتنا لأنفسنا. حين نخفف قسوة المقارنة ونمنح مشاعرنا مساحة للفهم بدل اللوم، يبدأ ذلك الصوت الهادئ في الداخل بالوضوح… صوت يقول إن الإنسان لا يحتاج أن يكون كاملاً ليشعر بالثبات.
تمامًا كما بدأنا بفكرة الهمس الداخلي، تنتهي رحلة الثقة بالنفس عند ذلك الصوت الذي يرافقنا في خطواتنا الصغيرة. ربما لا يراه الجميع، لكنه يظهر في طريقتنا في المشي، وفي كلماتنا حين نتحدث عن أنفسنا، وفي قدرتنا على أن نبدأ من جديد دون خوف من التأخر أو التعثر. هي علاقة نعيد بناءها كل يوم، خطوة صغيرة نحو ذاتٍ أكثر هدوءاً وصدقاً.
المصدر: سبق



