منوعات

“أوراق للتدليس والتسويف”.. عندما يتحول المؤلف إلى ضحية

الترند العربي – خاص

تبدأ الحكاية غالبًا من إعلان ممول على “فيسبوك” يستهدف كتّابًا يحلمون بإخراج كتابهم إلى النور، ثم ينتقل التواصل سريعًا إلى “واتساب” وتبدأ لغة “الباقات” التي تتضمن الطباعة والتوزيع والمشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب. بعد ذلك، يقول مؤلفون من جنسيات مختلفة إنهم وجدوا أنفسهم داخل مسار واحد يتكرر بتفاصيله: دفع المبلغ كاملًا، ثم انتظار، ثم وعود مؤجلة، ثم نزاع على النسخ والتوزيع، وفي النهاية حظر على منصات التواصل.

وبحسب شهادات متواترة، فإن هذا النمط ممتد منذ 2020 وحتى الآن دون انقطاع، مع استمرار ظهور إعلانات ممولة تستهدف مؤلفين عربًا على وجه الخصوص، لا سيما المقيمين في دول الخليج وأوروبا، وفق ما أفاد به عدد من الشاكين.

هذا التحقيق يستند إلى شهادات ومراسلات يقول أصحابها إنها موثقة لديهم. وهو يرصد نمطًا من الشكاوى المتكررة أمام اتحاد الناشربن المصريين، دون علاج نهائي للمشكلة، ودون ودون الوصول حتى الآن إلى حكم قضائي نهائي، مع تثبيت ما يرد على لسان الشاكين بصيغة منسوبة إليهم.

واجهة التنفيذ.. والاسم في العقود

في قلب الشهادات يتكرر حديث واضح عن توزيع أدوار داخل ما يسمى “دار أوراق للنشر والتوزيع بالقاهرة”. وفق روايات عدة، تظهر “سماح هشام أبو المكارم” بوصفها الواجهة التنفيذية التي تدير التواصل اليومي، وتنسق التعاقدات، وتتابع التحصيل، وتتولى الردود والمواعيد، بينما يرد اسم والدها في العقود بوصفه صاحب الدار أو طرفًا أصيلًا فيها، دون أن يكون حاضرًا في المشهد العملي، بحسب ما قاله الشاكون.

وتذكر شهادات متطابقة اسم “هشام أبو المكارم” بوصفه صحفيًا وسيناريست، وتقول إن اسمه يظهر في العقود، لكن المؤلفين لا يرونه يوقّع أو يحضر الاجتماعات، ولا يتلقون منه ردًا مباشرًا، وفق تعبيرهم. ويضيف الشاكون أن غياب ظهوره يتم تفسيره لهم بصورة متكررة بأن حالته الصحية لا تسمح، وأنه “مريض” وتعرض “لجلطة”، بينما تستمر الإدارة والتنفيذ من خلال الابنة، بحسب ما جاء في الشهادات.

وتشير الروايات نفسها إلى أن المؤلفين لا يستطيعون الجزم بدور الأب في ما يصفونه بـ”الاحتيال” أو “النصب”، ولا يملكون ما يثبت علمه بما يحدث من تفاصيل، لأن الطرف الذي يتعاملون معه عمليًا هو الابنة وحدها، ولأن تكرار الإشارة إلى مرضه يُستخدم، وفق قولهم، كحاجز يمنع الوصول إليه أو مساءلته أو حتى طلب توقيع مباشر منه.

إعلان ممول.. ثم لقاء بلا لافتة

تصف شهادات متطابقة المرحلة الأولى بأنها استدراج عبر إعلان ممول، يليه اقتراح لقاء “لاستكمال الإجراءات”. في أكثر من رواية، يقول أصحاب الشكاوى إن اللقاء لم يتم في مقر ثابت واضح لدار نشر، بل في مكتب مستأجر بالساعة أو عنوان يتغير، وهو ما جعل محاولة تحديد مقر معروف أمرًا صعبًا بالنسبة لهم. ومع كل تبدل في العناوين، كانت الأسئلة تتبدل إلى صمت.

تحويلات “الباقة”.. ثم نسخة أو نسختان

يقول مؤلفون إنهم حوّلوا المبلغ كاملًا “حسب الباقة”، ثم فوجئوا لاحقًا بأن ما يُطبع بعد التعاقد لا يتجاوز “نسخة أو 2” في بعض الحالات، بغرض العرض في معرض القاهرة. وبعد انتهاء المعرض، تبدأ مرحلة وصفها أكثر من شاهد بأنها مطاردة للحصول على النسخ المجانية التي يفترض أن تكون جزءًا من الاتفاق. بعضهم يقول إنه انتظر أشهرًا، وبعضهم يقول إنه لم يتسلم النسخ أصلًا، بينما يؤكد آخرون أنهم تسلموا جزءًا محدودًا بعد تأخير طويل.

الشحن كعقدة.. وباب آخر للاحتيال

بين أكثر التفاصيل تكرارًا في الشهادات مسألة شحن النسخ إلى خارج مصر. إحدى الروايات تتحدث عن طلب مبلغ يصل إلى “300 دولار” لشحن نسخ يفترض أنها حق تعاقدي، بينما يقول الشاكون إنهم عندما تولوا الشحن بأنفسهم وجدوا التكلفة الفعلية لدى ناقل دولي في حدود “75 دولار” في حالتهم. وتتكرر في هذه النقطة نبرة واحدة: دفع إضافي للحصول على ما كان ينبغي تسليمه دون أعباء مفاجئة، على حد وصفهم.

المماطلة حتى نهاية العقد

عندما تتصاعد المطالبات، تصف الشهادات مسارًا ثابتًا من التأجيل: “بعد المعرض”، “بعد رمضان”، “بعد العيد”. ثم تظهر عبارة أخرى باعتبارها ذريعة للتسويف: “جرد النسخ من المكتبات”. وفق هذه الروايات، يطلب المؤلف أسماء المكتبات التي تم التوزيع عبرها فلا يحصل على رد، ثم بعد فترة يتلقى رسائل تتحدث عن “جرد 300 نسخة”، رقم يراه كثيرون غير قابل للتصديق قياسًا إلى ما عاشوه من تأخر في الطباعة وتسليم النسخ.

الحظر.. حين يغلق الباب الأخير

في أكثر من شهادة، ينتهي الخلاف بحظر شامل: “بلوك” على “واتساب” ثم “فيسبوك” ثم “تليغرام”. ويقول أصحاب الشكاوى إن الحظر يأتي بعد الإلحاح في طلب النسخ أو التسوية أو فسخ العقد، ويمثل بالنسبة لهم لحظة سقوط نهائي لفكرة الحل الودي.

ملف يتجاوز تجربة فردية

اللافت في هذا الملف أن الشهادات لا تأتي كقصة واحدة منعزلة، بل كنمط متكرر له مفرداته الثابتة: إعلان ممول، لقاء بلا عنوان ثابت، تحصيل كامل، طباعة محدودة للعرض، تأخير في النسخ المجانية، غياب دلائل توزيع، نزاع على الشحن، ثم مماطلة حتى تنتهي مدة العقد، وأخيرًا حظر على المنصات. وبين هذه الأوراق، يقول أصحاب الشكاوى إنهم يمتلكون عشرات المستندات والمراسلات والشهادات المتواترة التي تؤسس لروايتهم.

في ختام هذا التحقيق، تبقى المسؤولية على عاتق الجهات المعنية بحماية حقوق المؤلفين وتنظيم سوق النشر، وفي مقدمتها الجهات الرقابية المختصة، والجهات المهنية ذات الصلة، للانتقال من تلقي الشكاوى إلى فحص الوقائع على الأرض فحصًا مباشرًا، والتحقق من وجود مقر معلوم، ومراجعة العقود وآليات التحصيل، والتدقيق في سجلات الطباعة والتوزيع والتسليم، وإلزام أي جهة تعمل في هذا القطاع بتقديم ما يثبت تنفيذ التزاماتها التعاقدية وفق مواعيد محددة ومعايير شفافة. كما تناشد شهادات المتضررين فتح مسار رسمي واضح لاستقبال البلاغات، وحماية من يتقدمون بها، خاصة غير المقيمين داخل مصر، لضمان ألا تتحول أحلام النشر إلى دائرة استنزاف مفتوحة بلا مساءلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى