استثمارات سعودية كبرى تعيد رسم المشهد الاقتصادي في سوريا وتفتح صفحة جديدة من الشراكة الإقليمية
الترند بالعربي – متابعات
تشهد العلاقات السعودية السورية تحولاً اقتصادياً لافتاً مع الإعلان عن حزمة استثمارات سعودية جديدة في سوريا بقيمة تقارب 20 مليار ريال، ضمن مسار متسارع يعكس انتقال العلاقة بين البلدين من الإطار الدبلوماسي التقليدي إلى شراكة اقتصادية استراتيجية واسعة النطاق. هذه الخطوة لا تُقرأ فقط في سياق أرقام استثمارية ضخمة، بل في إطار إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية السورية، وربطها مجدداً بديناميكيات الاقتصاد الإقليمي، وفتح قنوات تعاون طويلة الأمد بين القطاعين الخاص والعام في البلدين.
زخم استثماري غير مسبوق بين الرياض ودمشق
الإعلان عن الاستثمارات جاء خلال مراسم توقيع مشروعات واتفاقات استراتيجية في دمشق، حيث أبرمت شركات سعودية اتفاقيات مباشرة مع جهات حكومية ومؤسسات سورية في قطاعات متعددة تشمل الاتصالات والمياه والبنية التحتية والطيران والتطوير العقاري والتعليم والتقنية. هذا التنوع القطاعي يعكس رؤية استثمارية لا تركز على الربح السريع فقط، بل على بناء قواعد اقتصادية مستدامة تعيد تنشيط قطاعات حيوية داخل الاقتصاد السوري.
وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح أوضح أن هذه الاتفاقيات تأتي ضمن مسار مفتوح لا سقف له في التعاون الاقتصادي، مشيراً إلى أن ما تحقق حتى الآن يمثل مجرد بداية، وأن المرحلة المقبلة مرشحة لاستقطاب استثمارات إضافية من مستثمرين سعوديين وإقليميين مستفيدين من تحسن البيئة التنظيمية والبنية التحتية.

من 40 إلى 60 مليار ريال.. أرقام تعكس تحولاً استراتيجياً
الفالح كشف أن إجمالي الاتفاقيات الموقعة منذ رفع العقوبات عن سوريا يقترب من 40 مليار ريال، ومع إضافة الحزمة الجديدة البالغة نحو 20 مليار ريال، يرتفع مجموع الاستثمارات السعودية المعلنة إلى قرابة 60 مليار ريال. هذه الأرقام تعكس انتقالاً من مرحلة اختبار النوايا إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، وهو ما يضع سوريا أمام موجة استثمارية قد تغيّر خريطة النشاط الاقتصادي فيها خلال سنوات قليلة.
اللافت أن هذه الاستثمارات لا تقتصر على مشاريع محدودة، بل تشمل بنية تحتية طويلة الأمد، ما يعني أن أثرها الاقتصادي قد يمتد لعقود عبر خلق وظائف، وتحفيز قطاعات الإنتاج، وتحسين الخدمات الأساسية.
قطاع الطيران.. بوابة سوريا للعودة إلى العالم
أحد أبرز محاور الاتفاقيات يتمثل في قطاع الطيران، مع الإعلان عن تأسيس شركة “ناس سوريا” كناقل وطني جديد بالشراكة مع الهيئة العامة للطيران المدني السورية. هذه الخطوة تمثل أول استثمار خارجي لشركة طيران ناس، ما يمنحها دلالة استراتيجية خاصة.
إطلاق ناقل وطني جديد يعني إعادة ربط المطارات السورية بشبكات الطيران الإقليمية والدولية، وزيادة حركة السفر والسياحة، وتحفيز النشاط التجاري. كما أنه يفتح الباب أمام آلاف فرص العمل في مجالات الطيران والخدمات الأرضية والصيانة والإدارة.
الرئيس التنفيذي لطيران ناس بندر المهنا أكد أن أولى الرحلات متوقعة قبل نهاية العام، وأن المشروع يحمل بعداً تنموياً يركز على تدريب الكفاءات السورية الشابة لتولي مواقع قيادية مستقبلاً.

مطارات حديثة بطاقة 12 مليون مسافر
ضمن محور الطيران أيضاً، تأتي مشاريع تطوير مطاري حلب القديم والجديد عبر صندوق “إيلاف”، باستثمارات تصل إلى ملياري دولار. المشروع يشمل إعادة تأهيل الصالات الحالية وبناء مرافق حديثة بطاقة استيعابية تصل إلى 12 مليون مسافر سنوياً.
تطوير المطارات لا يقتصر على حركة المسافرين، بل يشكل رافعة اقتصادية للسياحة والتجارة والخدمات اللوجستية، ما يعزز مكانة المدن السورية كمراكز جذب اقتصادي.
البنية التحتية الرقمية.. استثمار في اقتصاد المستقبل
الاستثمارات السعودية تشمل أيضاً مشاريع في الألياف البصرية ومراكز البيانات عبر شركات اتصالات سعودية كبرى، وهو توجه يعكس إدراكاً لأهمية الاقتصاد الرقمي. تطوير البنية الرقمية يتيح تحسين الخدمات الحكومية، ودعم الشركات الناشئة، وتمكين التجارة الإلكترونية، وربط سوريا بالاقتصاد الرقمي العالمي.
وجود مراكز بيانات حديثة داخل سوريا قد يفتح الباب أمام استثمارات في مجالات الحوسبة السحابية والخدمات الرقمية، وهو قطاع سريع النمو عالمياً.
المياه.. مشروع استراتيجي للأمن المائي
في قطاع المياه، تبرز اتفاقيات مع شركات سعودية رائدة في التحلية والنقل والمعالجة، بهدف إنشاء ناقل وطني مستدام للمياه من الساحل السوري إلى دمشق والمناطق الجنوبية. هذا المشروع يحمل بعداً استراتيجياً في ظل تراجع معدلات الهطول المطري خلال السنوات الأخيرة.
تحلية المياه ونقلها لمسافات طويلة يتطلب تقنيات متقدمة واستثمارات ضخمة، ما يجعل الشراكة السعودية السورية في هذا المجال ذات أهمية حيوية للأمن المائي السوري.
التعليم والتدريب.. استثمار في رأس المال البشري
الاتفاقيات لم تغفل قطاع التعليم، حيث تم توقيع مشاريع في التعليم الإلكتروني والتدريب المهني والتقني باستخدام تقنيات المحاكاة والمنصات الذكية. التركيز على ربط التعليم بوظائف المستقبل، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، يشير إلى رؤية تنموية طويلة المدى.
الاستثمار في الإنسان غالباً ما يكون الأثر الأكبر لأي خطة اقتصادية، لأنه يخلق كوادر قادرة على تشغيل المشاريع واستدامتها.
مجلس أعمال سعودي سوري لأول مرة
إطلاق مجلس أعمال سعودي سوري بشكل رسمي يمثل خطوة مؤسسية مهمة لتنظيم التعاون الاقتصادي. هذا المجلس يُتوقع أن يكون منصة لربط المستثمرين، وتبادل المعلومات، وتسهيل الإجراءات، وجذب شركاء دوليين.
وجود إطار مؤسسي كهذا يعطي الاستثمارات بعداً منظماً ويزيد من ثقة المستثمرين.
أبعاد اقتصادية تتجاوز الحدود الثنائية
الاستثمارات السعودية في سوريا لا تُقرأ فقط في سياق العلاقات الثنائية، بل ضمن مشهد اقتصادي إقليمي أوسع. إعادة دمج الاقتصاد السوري في محيطه العربي يفتح فرصاً للتكامل التجاري وسلاسل الإمداد الإقليمية.
كما أن دخول شركات سعودية كبرى يمنح إشارات إيجابية لمستثمرين آخرين قد يرون في السوق السورية فرصاً واعدة.
تحول من المساعدات إلى الاستثمار
الفالح شدد على أن هذه المشاريع اقتصادية بحتة، وتهدف إلى تحقيق مكاسب عادلة للطرفين، بعيداً عن منطق المساعدات. هذا التحول من الدعم الإغاثي إلى الاستثمار الإنتاجي يعكس رؤية تنموية قائمة على الاستدامة.
الاستثمار يخلق دورة اقتصادية قائمة على الإنتاج والتوظيف والعوائد، وهو ما يساعد الاقتصادات الخارجة من الأزمات على التعافي.
بيئة أعمال جديدة في سوريا
رئيس هيئة الاستثمار السورية أشار إلى أن البلاد تشهد استعداداً لعودة السوريين وزيادة النشاط السياحي، مع دخول عدد من المشاريع حيز التنفيذ. تحسن بيئة الأعمال عنصر أساسي لجذب الاستثمارات، ويبدو أن سوريا تسعى لتقديم نفسها كسوق واعدة.
انعكاسات محتملة على سوق العمل
المشاريع المعلنة قد تخلق آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة في قطاعات الطيران والاتصالات والبناء والخدمات. سوق العمل السوري قد يشهد تحسناً تدريجياً مع دخول هذه المشاريع مرحلة التنفيذ.
تأثيرات على القطاع العقاري
التطوير العقاري أحد محاور الاتفاقيات، وهو قطاع يرتبط بسلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية مثل مواد البناء والخدمات الهندسية والتمويل.
رسائل اقتصادية وسياسية ضمنية
رغم الطابع الاقتصادي، تحمل هذه الاستثمارات رسائل سياسية ضمنية حول اتجاه العلاقات الإقليمية نحو التعاون الاقتصادي كمدخل للاستقرار.
مرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية العربية
ما يحدث قد يكون نموذجاً لتعاون عربي عربي قائم على الاستثمار والتنمية، بدلاً من الاعتماد على المساعدات فقط.
توقعات المرحلة المقبلة
المراقبون يتوقعون الإعلان عن مشاريع إضافية خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا أثبتت المشاريع الحالية نجاحها.
كم تبلغ قيمة الاستثمارات السعودية الجديدة في سوريا؟
نحو 20 مليار ريال ضمن الحزمة الأخيرة.
ما إجمالي الاستثمارات المعلنة حتى الآن؟
يقارب 60 مليار ريال منذ رفع العقوبات.
ما أبرز القطاعات المشمولة؟
الطيران، المياه، الاتصالات، البنية التحتية، التعليم، التطوير العقاري.
متى تبدأ مشاريع الطيران؟
متوقع إطلاق أولى رحلات “ناس سوريا” قبل نهاية العام.
هل لهذه الاستثمارات أثر على الاقتصاد السوري؟
نعم، من المتوقع أن تسهم في خلق وظائف وتحسين البنية التحتية وتحفيز النمو الاقتصادي.
اقرأ أيضًا: هجرة الحريد إلى فرسان… ظاهرة بحرية سنوية تصنع مشهدًا بيئيًا نادرًا في السعودية



