سياسةمصر

رحلة بدأت بالخيول منذ 163 عامًا.. أقدم ترام في مصر يصل إلى محطته الأخيرة

الترند العربي – متابعات

بعد أكثر من قرن ونصف من الحضور اليومي في شوارع الإسكندرية، وصل ترام الإسكندرية، أقدم وسيلة نقل جماعي في أفريقيا والشرق الأوسط، إلى محطته الأخيرة مؤقتًا، إيذانًا ببدء مرحلة جديدة تجمع بين صيانة الذاكرة التاريخية والانطلاق نحو مستقبل نقل أكثر حداثة واستدامة.

هذا التوقف لا يُمثّل نهاية، بقدر ما يعكس لحظة فاصلة في تاريخ مرفق ارتبط بحياة السكندريين منذ عام 1863، حين بدأ رحلته بعربات تجرها الخيول، قبل أن ينتقل إلى البخار، ثم الكهرباء عام 1902، ليصبح شاهدًا حيًا على تحولات المدينة العمرانية والاجتماعية.

رحلة بدأت بالخيول منذ 163 عامًا.. أقدم ترام في مصر يصل إلى محطته الأخيرة
رحلة بدأت بالخيول منذ 163 عامًا.. أقدم ترام في مصر يصل إلى محطته الأخيرة

استراحة محارب قبل التحول الكبير
أعلنت وزارة النقل المصرية أن إيقاف ترام الرمل يأتي ضمن خطة مرحلية تمهّد لمشروع تطوير شامل، يهدف إلى دمج الترام ضمن منظومة نقل حديثة تتكامل مع مشروع مترو الإسكندرية، في إطار رؤية شاملة لمواجهة الأزمات المرورية المتفاقمة بالمدينة الساحلية.

الدراسات المتكاملة التي أُجريت على منظومة النقل في الإسكندرية أظهرت أن التحديث لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة، خاصة مع الزيادة السكانية، وتضاعف حركة التنقل اليومية بين شرق المدينة وغربها.

أرقام تكشف حجم التحول المنتظر
وفق البيانات الرسمية، سيؤدي مشروع إعادة تأهيل ترام الرمل إلى رفع الطاقة الاستيعابية من نحو 4700 راكب في الساعة لكل اتجاه، إلى ما يقارب 13,800 راكب، مع تقليص زمن الرحلة من 60 دقيقة إلى نحو 35 دقيقة فقط، وتقليل زمن التقاطر بين العربات من 9 دقائق إلى 3 دقائق.

كما ستزداد سرعة التشغيل، وترتفع مستويات الأمان والراحة، مع تحديث كامل للبنية التحتية والمسارات والوحدات المتحركة، بما يواكب المعايير العالمية للنقل الحضري المستدام.

رحلة بدأت بالخيول منذ 163 عامًا.. أقدم ترام في مصر يصل إلى محطته الأخيرة
رحلة بدأت بالخيول منذ 163 عامًا.. أقدم ترام في مصر يصل إلى محطته الأخيرة

تكامل مع مترو الإسكندرية
يشكّل الربط بين الترام والمترو أحد أبرز ملامح المشروع، إذ سيتكامل الخطان عند محطتي فيكتوريا و**سيدي جابر**، بما يسمح بتبادل سلس لحركة الركاب، ويعزز مفهوم النقل متعدد الوسائط داخل المدينة.

هذا التكامل يُعد نقلة نوعية في تخطيط النقل الحضري، ويهدف إلى تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، وخفض الاختناقات المرورية المزمنة التي تعاني منها الإسكندرية.

بدائل مؤقتة لضمان استمرارية الحياة
حرصًا على عدم تعطّل مصالح المواطنين، أكدت وزارة النقل، بالتنسيق مع محافظة الإسكندرية، توفير منظومة متكاملة من وسائل النقل البديلة، تعمل بنفس مواعيد تشغيل الترام الحالية، وبإجمالي 153 وسيلة نقل، لتغطية المسارات المتأثرة بالإيقاف المؤقت.

وتخضع هذه الخطة للمتابعة المستمرة، مع إجراء تعديلات مرنة وفق أنماط حركة الركاب، لضمان تلبية الاحتياجات اليومية بأقل قدر من التأثير.

فوائد بيئية واقتصادية
ترى الوزارة أن المشروع لا يقتصر على تحسين حركة التنقل، بل يحمل أبعادًا بيئية واقتصادية مهمة، من بينها تقليل التلوث الناتج عن عوادم المركبات، وخفض استهلاك الوقود، والحد من الازدحام المروري، فضلًا عن توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة خلال مرحلتي التنفيذ والتشغيل.

هذه الأبعاد تضع المشروع ضمن مسار التحول نحو مدن أكثر استدامة، تتوافق مع الاتجاهات العالمية في تخطيط النقل الحضري.

الترام.. أكثر من وسيلة نقل
في قراءة تاريخية للمشهد، يؤكد المتخصص في علم التاريخ سامح الزهار أن ترام الإسكندرية لا يُختزل في كونه وسيلة نقل فقط، بل يمثل “تراثًا ماديًا” يتحرك في الشوارع، و“تراثًا غير مادي” يسكن ذاكرة السكندريين وحكاياتهم اليومية.

ويرى الزهار أن هذا المرفق العريق، الذي رافق أجيالًا متعاقبة، يمتلك مقومات تجعله أداة سياحية وتاريخية تستحق الإدراج على قائمة التراث العالمي لدى اليونسكو، شريطة أن يُدار تطويره بحسّ يحترم رمزيته وهويته.

رحلة بدأت بالخيول منذ 163 عامًا.. أقدم ترام في مصر يصل إلى محطته الأخيرة
رحلة بدأت بالخيول منذ 163 عامًا.. أقدم ترام في مصر يصل إلى محطته الأخيرة

رؤية هندسية للتطوير
من جانبه، يوضح الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس، أن الترام كان ولا يزال ركيزة أساسية لطلاب وسكان الإسكندرية، وأن التطوير يستهدف رفع جودة الخدمة دون المساس بدوره الاجتماعي.

ويشير إلى أن تحديث المسارات والعربات سيؤدي إلى تقليص زمن الرحلة، ورفع معدلات الأمان، وتحسين تجربة المستخدم، مع الاعتماد على أتوبيسات بديلة تعمل بنفس الجداول الزمنية خلال فترة التنفيذ.

الحفاظ على الطابع التراثي
تطرح عملية التطوير تساؤلات مشروعة حول مصير الهوية البصرية والتاريخية للترام، وهنا تشدد الدكتورة سهير زكي حواس، أستاذة العمارة بجامعة القاهرة، على أهمية استنساخ التجارب العالمية الناجحة، مثل مدن ليون الفرنسية، والرباط المغربية، وتونس، حيث تسير الحداثة جنبًا إلى جنب مع الخطوط التاريخية.

وتقترح حواس الحفاظ على الشكل الخارجي للعربات التقليدية، مع تطوير أحشائها الميكانيكية والتقنية، على غرار ما فعلته لندن مع حافلاتها الشهيرة، حتى تظل “هوية الإسكندرية” حاضرة وغير قابلة للاندثار.

من الخيول إلى الكهرباء.. مسار تاريخي فريد
بدأ ترام الإسكندرية رحلته عام 1863 بعربات تجرها الخيول، ثم انتقل إلى البخار، وصولًا إلى التشغيل الكهربائي في مطلع القرن العشرين، ليصبح أحد أقدم شبكات الترام العاملة في العالم.

هذا المسار التاريخي يعكس تطور المدينة نفسها، ويجعل من الترام سجلًا حيًا لتحولات العمران والمجتمع والاقتصاد في الإسكندرية.

ذاكرة مدينة وروح شعب
يرى مراقبون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التحديث التقني فحسب، بل في الموازنة بين التطوير والحفاظ على الذاكرة الجماعية، فالترام ليس مجرد قضبان وعربات، بل جزء من وجدان مدينة ارتبطت أصوات صافراته بإيقاع الحياة اليومية.

ومع انطلاق مشروع التطوير، تبقى الآمال معلقة على أن تنجح الدولة في تقديم نموذج يُحتذى به، يُثبت أن صيانة التراث يمكن أن تسير جنبًا إلى جنب مع متطلبات العصر، وأن تحديث البنية التحتية لا يعني محو التاريخ، بل إعادة تقديمه في صورة أكثر حيوية واستدامة.

لماذا تم إيقاف ترام الإسكندرية مؤقتًا؟
تم الإيقاف تمهيدًا لمشروع تطوير شامل يهدف إلى دمجه مع مترو الإسكندرية وتحسين منظومة النقل.

ما أبرز فوائد مشروع التطوير؟
رفع الطاقة الاستيعابية، تقليل زمن الرحلة، خفض التلوث، وتحسين جودة الخدمة.

هل توجد بدائل خلال فترة الإيقاف؟
نعم، تم توفير منظومة نقل بديلة تضم 153 وسيلة تعمل بنفس المواعيد.

هل سيُحافظ على الطابع التراثي للترام؟
هناك دعوات قوية للحفاظ على الشكل التاريخي مع تحديث المكونات التقنية.

متى يعود الترام للعمل؟
سيعود بعد الانتهاء من مراحل التطوير وفق الجدول الزمني المعلن من وزارة النقل.

اقرأ أيضًا: السعودية تدخل تاريخ الطب.. أول زراعة كبد روبوتية كاملة في العالم من متبرعين أحياء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى