عمر غازيكُتاب الترند العربي

كلنا موهوب.. ولكن!

عمر غازي

في عام 1978، كان عالم النفس الأمريكي هاورد جاردنر يعمل على أبحاثه حول الذكاء، عندما توصل إلى نظرية غيرت نظرة العالم للموهبة، اكتشف أن الذكاء ليس مجرد قدرة رياضية أو لغوية، بل مجموعة متنوعة من المهارات والقدرات التي يمتلكها كل إنسان بشكل مختلف، فهناك من يبرع في التفكير التحليلي، وآخر في الفن، وثالث في التواصل الاجتماعي، لكن المشكلة الكبرى أن النظام التعليمي والمجتمعي لا يعترف إلا بنوع واحد من الذكاء، مما يجعل الكثيرين يعتقدون أنهم بلا موهبة، رغم أنهم يمتلكون قدرات استثنائية في مجالات أخرى.

الواقع أن معظم الناس يعيشون حياتهم وهم يعتقدون أنهم أشخاص عاديون، فقط لأن موهبتهم لم تكن ضمن القوالب التقليدية التي يفرضها المجتمع، حيث أظهرت دراسة أجرتها جامعة ستانفورد عام 2021 أن 68% من الأفراد الذين تم تصنيفهم أكاديميًا على أنهم متوسطي الذكاء، حققوا نجاحات باهرة في مجالات إبداعية أو ريادية بعد أن خرجوا من إطار التعليم التقليدي، مما يؤكد أن غياب الاعتراف بالموهبة لا يعني عدم وجودها، بل يعني فقط أنها لم تجد الفرصة للظهور بعد.

المجتمعات التي تدفع أبناءها إلى مسارات مهنية محددة دون اكتشاف مواهبهم الحقيقية، تخسر قدرًا هائلًا من الإبداع والابتكار، فبحسب تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2022، فإن 40% من الوظائف التي ظهرت في العقد الأخير لم تكن موجودة سابقًا، وتم إنشاؤها بواسطة أشخاص اكتشفوا مهاراتهم في مجالات لم تكن مألوفة، مثل الذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى الرقمي، وريادة الأعمال التقنية، مما يعني أن الموهبة ليست ثابتة، بل تتكيف مع الزمن، وتحتاج إلى بيئة تساعدها على الظهور.

لكن لماذا لا يكتشف الجميع موهبتهم؟ السبب في ذلك يعود إلى عدة عوامل، أولها التربية التي تركز على اتباع النمط التقليدي للحياة، حيث يتم تعليم الأطفال أن النجاح مرتبط فقط بالتفوق الأكاديمي، مما يجعل من الصعب على من يمتلك موهبة فنية أو رياضية أو اجتماعية أن يراها كقيمة حقيقية، وثانيها هو الخوف من التجربة، حيث أظهرت دراسة نشرتها جامعة أكسفورد عام 2020 أن 72% من الأشخاص الذين اكتشفوا مواهبهم في مرحلة متأخرة من حياتهم، أشاروا إلى أنهم كانوا يخشون الفشل أو عدم تقبل المجتمع لقدراتهم، مما جعلهم يتجنبون استكشاف إمكانياتهم لفترة طويلة.

الأمر لا يتعلق فقط بالأفراد، بل بالمؤسسات أيضًا، حيث أن الشركات التي تسمح لموظفيها باكتشاف نقاط قوتهم، تحقق إنتاجية أعلى بنسبة 35% وفقًا لتقرير صادر عن شركة ماكينزي عام 2021، مما يعني أن الموهبة ليست مجرد عامل شخصي، بل هي عنصر أساسي في التطوير المجتمعي والاقتصادي.

السؤال الذي لابد أن نطرحه على أنفسنا دائمًا: كم من الأشخاص يعيشون حياتهم معتقدين أنهم بلا قيمة، فقط لأنهم لم يحصلوا على فرصة لاكتشاف موهبتهم؟ وهل يمكن للمجتمعات أن تتغير لتمنح كل شخص الفرصة ليجد المكان الذي يناسبه، بدلًا من إجباره على السير في طريق مرسوم سلفًا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى