
نهاية “السوشيال ميديا” كما عرفناها.. هل تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى بيئات نفسية رقمية جديدة؟
عمر غازي
في تقرير صدر عام 2024 عن مركز الأبحاث الأميركي “Pew Research Center” حول علاقة الشباب بالمنصات الرقمية، قال نحو 48% من المراهقين في الولايات المتحدة إن “السوشيال ميديا” تؤثر سلبًا على أقرانهم، بينما قال 45% إنهم يقضون وقتًا أطول على هذه المنصات مما ينبغي، لم يكن هذا التحول مجرد تغير في المزاج العام للمستخدمين، بل إشارة إلى تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين الإنسان وما أصبح يُعرف اليوم باسم “السوشيال ميديا” أو “منصات التواصل الاجتماعي”، فالشبكات التي ظهرت في بدايتها بوصفها أدوات للتواصل بين الأصدقاء بدأت تتحول تدريجيًا إلى بيئات رقمية تؤثر في المشاعر والتصورات والهوية بقدر ما تؤثر في العلاقات الاجتماعية.
عندما ظهرت منصات مثل “MySpace” عام 2003 ثم “Facebook” عام 2004، كان جوهرها بسيطًا، أن يرى المستخدم ما ينشره أصدقاؤه وأن يتواصل مع دائرة اجتماعية محدودة، وكانت الصفحات الشخصية بمثابة امتداد للعلاقات الواقعية، لكن هذا النموذج تغير جذريًا مع صعود “الخوارزميات”، إذ لم يعد ما يظهر أمام المستخدم نتيجة مباشرة لعلاقاته الاجتماعية، بل نتيجة حسابات معقدة تهدف إلى زيادة التفاعل والزمن الذي يقضيه المستخدم داخل المنصة، ومع هذا التحول لم تعد المنصة مجرد وسيط للتواصل، بل بيئة رقمية مصممة للتأثير في الانتباه والسلوك.
أظهرت دراسة نشرتها جامعة “Stanford” عام 2022 حول تصميم المنصات الرقمية أن الخوارزميات التي ترتب المحتوى وفق احتمالات التفاعل قادرة على زيادة زمن الاستخدام بصورة ملحوظة، لأن ترتيب العرض يوجه انتباه المستخدم نحو المحتوى الأكثر إثارة للتفاعل العاطفي، وليس بالضرورة الأكثر أهمية أو فائدة، وهنا يبدأ التحول من شبكة اجتماعية إلى بيئة نفسية، لأن ما يراه المستخدم يوميًا لا يعكس الواقع الاجتماعي بقدر ما يعكس ما تفضله الخوارزمية من أنماط التفاعل.
هذا التحول انعكس أيضًا في طبيعة المحتوى نفسه، فقد أظهر تقرير “Global Web Index” عام 2023 أن أكثر من 60% من مستخدمي الإنترنت يتابعون مؤثرين أو صناع محتوى لا يعرفونهم شخصيًا، بينما يتراجع حضور الأصدقاء والعائلة في التدفق اليومي للمحتوى، أي أن المنصات التي بدأت بوصفها شبكات اجتماعية بين معارف أصبحت منصات عرض عامة يتابع فيها المستخدم حياة أشخاص غرباء، ومع هذا التحول يصبح التفاعل الاجتماعي أقل حضورًا من التفاعل مع المحتوى نفسه.
في عام 2024 حللت دراسة من جامعة “Oxford” سلوك المستخدمين على منصات الفيديو القصير، ووجدت أن الجزء الأكبر من المشاهدة لا يتعلق بمحتوى يبحث عنه المستخدم مسبقًا، بل بمحتوى تقترحه الخوارزميات وفق سجل المشاهدة السابق، أي أن التجربة لم تعد قائمة على التواصل الاجتماعي بقدر ما أصبحت قائمة على التدفق الخوارزمي المستمر للمحتوى، وهنا لا تصبح المنصة مجرد شبكة علاقات، بل بيئة إدراكية كاملة تحدد ما يراه المستخدم وما يشعر به تجاه ما يراه.
تشير بيانات تقرير “Digital 2025” الصادر عن “DataReportal” إلى أن عدد مستخدمي “السوشيال ميديا” عالميًا تجاوز 5 مليارات مستخدم، أي ما يقارب 62% من سكان العالم، ومع هذا الانتشار الهائل لم تعد هذه المنصات مجرد أدوات اتصال، بل فضاءات ثقافية تؤثر في أنماط التفكير والهوية والانتباه، بل وحتى في تصور النجاح الشخصي، حيث تتحول الإنجازات الفردية إلى محتوى قابل للعرض والمقارنة والقياس بعدد التفاعلات.
ومع اتساع هذا التأثير بدأت تظهر ظاهرة يصفها الباحثون بـ”الإرهاق الرقمي”، وهو الشعور بالإنهاك النفسي الناتج عن التدفق المستمر للمعلومات والمقارنات الاجتماعية والتنبيهات المتكررة، وقد أظهرت دراسة لشركة “Deloitte” عام 2025 أن نحو 25% من المستخدمين حذفوا تطبيقًا واحدًا على الأقل من تطبيقات “السوشيال ميديا” خلال عام واحد، وترتفع النسبة إلى نحو الثلث بين “جيل زد”، كما أشار المشاركون في الدراسة إلى أن السبب الرئيسي للحذف كان تأثير المنصات في الصحة النفسية وإهدار الوقت، وهو مؤشر على أن العلاقة بين المستخدم والمنصات بدأت تدخل مرحلة إعادة تقييم.
هذا “الإرهاق الرقمي” لا يعني بالضرورة نهاية المنصات، لكنه يشير إلى تحول محتمل في شكلها ووظيفتها في السنوات القادمة، فمع تزايد وعي المستخدمين بتأثير هذه البيئات الرقمية في حياتهم النفسية، قد تبدأ المنصات نفسها في التحول إلى نماذج مختلفة تحاول التكيف مع هذا الوعي الجديد.
بعض الباحثين يتوقعون أن تتحول المنصات في العقد القادم إلى ما يمكن تسميته “المنصات الإدراكية”، حيث لا يقتصر دور الخوارزميات على ترتيب المحتوى، بل يمتد إلى إدارة التجربة الرقمية كاملة، من نوعية المحتوى الذي يظهر للمستخدم إلى الإيقاع الزمني لظهوره وربما حتى توقيت انقطاعه، بحيث تتحول المنصة إلى نظام متكامل لإدارة الانتباه والمزاج والسلوك داخل البيئة الرقمية.
وفي هذا السياق قد يتغير شكل المنصات نفسها، فبدل التدفق المفتوح للمحتوى الذي يميز “السوشيال ميديا” اليوم قد نشهد منصات تعتمد على مساحات أصغر وأكثر خصوصية، أو بيئات رقمية مخصصة لكل مستخدم تُصممها الخوارزميات وفق اهتماماته وسلوكه السابق، أي أن المنصة لن تكون شبكة اجتماعية واحدة للجميع، بل تجربة رقمية مختلفة لكل فرد.
كما قد يتراجع نموذج “المنصة المفتوحة” لصالح نماذج تجمع بين الشبكات الاجتماعية والأنظمة الذكية، حيث يصبح المستخدم داخل بيئة رقمية قادرة على التفاعل معه وتحليل اهتماماته وتقديم محتوى أو تفاعلات تتغير باستمرار وفق حالته الإدراكية، وهو ما قد يحول المنصات من أدوات اتصال إلى ما يشبه “البيئات الذهنية الرقمية”.
في هذه المرحلة لن يكون السؤال الأساسي كم عدد المتابعين أو كم عدد الإعجابات، بل كم من الوقت الذهني ينجح النظام الرقمي في الاحتفاظ به، لأن المنافسة الحقيقية في العصر الرقمي لم تعد على المعلومات، بل على الانتباه نفسه، وهو المورد الوحيد الذي لا يمكن مضاعفته بالسرعة التي يتضاعف بها المحتوى.
ويبقى السؤال مطروحًا، إذا كانت “السوشيال ميديا” قد بدأت تتحول من شبكات اجتماعية إلى بيئات نفسية رقمية تدير الانتباه والمزاج والسلوك، فهل نشهد خلال العقد القادم ظهور جيل جديد من منصات التواصل الاجتماعي لا يشبه ما عرفناه خلال العشرين عامًا الماضية؟



