منوعات

إنجاز فلكي في أبوظبي.. مرصد الختم يوثّق سديم قنديل البحر بصورة استثنائية

الترند بالعربي – متابعات

في خطوة علمية تعكس تطور الاهتمام العربي بعلم الفلك ورصد الفضاء العميق، نجح مرصد الختم الفلكي في صحراء أبوظبي في التقاط صورة فائقة الدقة لسديم يُعرف باسم «قنديل البحر»، وهو أحد أشهر السدم الناتجة عن انفجار نجمي قديم في مجرة درب التبانة. ويُعد هذا الإنجاز الرصدي نتيجة عمل علمي امتد لأيام طويلة من التصوير المتواصل والمعالجة الدقيقة للبيانات الفلكية، ليكشف تفاصيل مذهلة عن بقايا نجم انفجر قبل آلاف السنين، تاركًا خلفه غيومًا من الغاز والغبار الكوني تنتشر في الفضاء.

سديم قنديل البحر.. بقايا انفجار نجمي هائل

يُعرف هذا الجرم الكوني في الأوساط العلمية باسم سديم «قنديل البحر» أو IC 443، ويقع في كوكبة التوأمين، وهي الكوكبة النجمية التي يعرفها كثيرون باسم برج الجوزاء. ويبعد هذا السديم عن الأرض مسافة تقدر بنحو خمسة آلاف سنة ضوئية، ما يعني أن الضوء الذي نراه اليوم انطلق منه قبل آلاف السنين، في زمن يسبق بكثير التاريخ المسجل للحضارات البشرية.

ويحمل السديم هذا الاسم بسبب شكله المميز الذي يشبه قنديل البحر، إذ تظهر خيوط من الغاز المتوهج وكأنها أذرع مائية تنتشر في الفضاء، وهو مظهر ناتج عن التفاعل بين بقايا الانفجار النجمي والوسط الكوني المحيط به.

ظاهرة السوبرنوفا وراء تشكّل السديم

يشير الفلكيون إلى أن سديم قنديل البحر يُعد مثالًا على ما يعرف علميًا ببقايا المستعرات العظمى أو السوبرنوفا. وهذه الظاهرة تحدث عندما يصل نجم ضخم إلى نهاية حياته، فينهار قلبه فجأة ويحدث انفجار هائل يقذف طبقاته الخارجية إلى الفضاء بسرعات هائلة.

ويُعتقد أن الانفجار الذي شكّل هذا السديم وقع قبل نحو ثلاثين ألف سنة، حين انتهت حياة أحد النجوم الضخمة في هذه المنطقة من المجرة. وبعد الانفجار، بقيت سحابة واسعة من الغاز والغبار الكوني تنتشر في الفضاء، مشكلةً هذا الشكل المذهل الذي نرصده اليوم.

نجم نيوتروني يتحرك بسرعة هائلة

تشير الدراسات الفلكية إلى أن قلب النجم المنفجر لم يختفِ بالكامل، بل انضغط بفعل الجاذبية الشديدة ليكوّن جرمًا فلكيًا فائق الكثافة يُعرف باسم النجم النيوتروني. ويحمل هذا الجرم الرمز الفلكي J061705.3+222127.

ويمتاز هذا النجم النيوتروني بسرعته الكبيرة، إذ يتحرك في الفضاء بسرعة تُقدّر بنحو 830 ألف كيلومتر في الساعة، وهي سرعة هائلة تعكس قوة الانفجار الذي أدى إلى تشكله.

عملية رصد استمرت نصف شهر

لم يكن التقاط الصورة النهائية لسديم قنديل البحر مهمة سهلة، إذ استغرق العمل على المشروع نحو نصف شهر من الرصد المتواصل. فقد بدأ مرصد الختم الفلكي تصوير السديم في الثامن من فبراير، واستمرت عملية التصوير حتى الثاني والعشرين من الشهر نفسه.

وخلال هذه الفترة، كان فريق المرصد يلتقط صورًا متعددة كل ليلة، مستفيدًا من فترات صفاء السماء وابتعاد القمر عن موقع السديم، لأن وجود القمر قد يؤثر في جودة الصور الفلكية بسبب زيادة الإضاءة في السماء.

29.5 ساعة من التعريض الضوئي

أوضح مدير مرصد الختم الفلكي محمد عودة أن الصورة النهائية نتجت عن تجميع مئات الصور الفلكية التي التقطت خلال عدة ليالٍ. وبلغ إجمالي زمن التعريض الضوئي نحو 29.5 ساعة، وهي مدة طويلة تسمح بإظهار التفاصيل الدقيقة للأجسام الخافتة في الفضاء.

وتكوّنت الصورة النهائية من تكديس 355 صورة منفصلة، مدة كل صورة خمس دقائق تقريبًا، ثم جرى دمجها رقميًا للحصول على صورة واحدة عالية الدقة تكشف تفاصيل السديم بشكل واضح.

تقنيات فلكية متقدمة في التصوير

استخدم الفريق في هذا المشروع تلسكوبًا كاسرًا بقطر 4.3 بوصات، وهو نوع من التلسكوبات يعتمد على العدسات في تجميع الضوء القادم من الأجرام السماوية. كما زُوّد التلسكوب بكاميرا فلكية ملوّنة قادرة على التقاط تفاصيل دقيقة للأجسام الخافتة في الفضاء.

ولمواجهة مشكلة التلوث الضوئي الناتج عن الأضواء البشرية في المناطق القريبة، استخدم الفريق فلترًا خاصًا يعمل على تقليل تأثير هذا التلوث، ما يسمح بالحصول على صور أكثر وضوحًا للأجرام السماوية البعيدة.

مستوى ظلمة السماء في موقع المرصد

يقع مرصد الختم الفلكي في منطقة صحراوية تبعد نسبيًا عن المدن الكبرى، ما يوفر بيئة مناسبة للرصد الفلكي. ومع ذلك، فإن مستوى ظلمة السماء في الموقع يُقدّر بنحو 6.5 على مقياس «بورتل»، وهو مقياس عالمي يُستخدم لتقييم درجة التلوث الضوئي في السماء.

وكلما كان الرقم أقل دلّ ذلك على سماء أكثر ظلمة، ما يجعل الرصد الفلكي أسهل وأكثر دقة. ولهذا يسعى الفلكيون دائمًا إلى اختيار مواقع بعيدة عن مصادر الإضاءة البشرية للحصول على أفضل النتائج.

فريق عمل متكامل خلف الإنجاز

جاء هذا الإنجاز نتيجة عمل جماعي شارك فيه عدد من المتخصصين في التصوير الفلكي ومعالجة الصور. فقد تولى الفلكي محمد عودة مهمة التصوير والرصد، بينما قام أنس سامح عودة بمعالجة الصور وتجميعها للحصول على النتيجة النهائية.

كما شارك في المشروع عدد من أعضاء فريق المرصد، وهم أسامة غنّام، وأنس محمد، وخلفان النعيمي، حيث أسهم كل منهم في مراحل مختلفة من العمل، بدءًا من إعداد المعدات وحتى تحليل الصور ومعالجتها.

أهمية التصوير الفلكي في فهم الكون

لا تقتصر قيمة مثل هذه الصور على الجانب الجمالي فقط، بل تحمل أيضًا أهمية علمية كبيرة. فالتصوير الفلكي يسمح للعلماء بدراسة بنية السدم وبقايا النجوم المنفجرة، ما يساعد على فهم كيفية تشكل النجوم وتطورها وموتها.

كما تتيح هذه الصور تتبع حركة المواد الكونية وانتشارها في الفضاء، وهو ما يسهم في تفسير العمليات الفيزيائية التي تحدث داخل مجرتنا.

دور المراصد العربية في نشر المعرفة الفلكية

يعكس هذا الإنجاز الدور المتزايد الذي تلعبه المراصد الفلكية في العالم العربي في نشر المعرفة العلمية وتعزيز الاهتمام بعلم الفلك. فالمراصد الحديثة لم تعد مجرد أدوات للبحث العلمي، بل أصبحت أيضًا منصات تعليمية وثقافية تسهم في تعريف الجمهور بجمال الكون وتعقيداته.

كما تساعد هذه المشاريع في إلهام الأجيال الجديدة للاهتمام بالعلوم والتكنولوجيا، وهو أمر ضروري لبناء مجتمعات معرفية قادرة على المشاركة في التطور العلمي العالمي.

الفضاء العميق.. نافذة على تاريخ الكون

عندما ينظر العلماء إلى سدم مثل سديم قنديل البحر، فإنهم في الواقع ينظرون إلى صفحات من تاريخ الكون. فالأحداث التي نراها اليوم في هذه الصور وقعت قبل آلاف السنين، والضوء الذي وصل إلينا يحمل معلومات عن تلك اللحظات البعيدة.

ولهذا يُعد علم الفلك من العلوم الفريدة التي تسمح للإنسان بدراسة الماضي الكوني، وفهم كيفية تشكل النجوم والمجرات عبر الزمن.

ما هو سديم قنديل البحر؟
هو سديم ناتج عن بقايا انفجار نجمي هائل يُعرف بالسوبرنوفا، ويقع في كوكبة التوأمين داخل مجرة درب التبانة.

كم يبعد سديم قنديل البحر عن الأرض؟
يبعد السديم نحو خمسة آلاف سنة ضوئية عن كوكب الأرض.

كم استغرق تصوير السديم؟
استغرقت عملية الرصد نحو نصف شهر، بينما بلغ زمن التعريض الضوئي الإجمالي 29.5 ساعة.

ما الأدوات التي استُخدمت في التصوير؟
استُخدم تلسكوب كاسر بقطر 4.3 بوصات مزوّد بكاميرا فلكية ملوّنة وفلتر خاص لتقليل التلوث الضوئي.

ما أهمية هذا الإنجاز الفلكي؟
يسهم في دراسة بقايا النجوم المنفجرة وفهم تطور النجوم والعمليات الفيزيائية التي تحدث في الفضاء.

اقرأ أيضًا: إدارة ترمب تكشف تكلفة 6 أيام من الحرب على إيران بـ11 مليار دولار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى