كُتاب الترند العربيعمر غازي

الإبداع لا يعترف بالسباق.. لماذا يفرض العمل الحقيقي نفسه ولو بعد حين؟

عمر غازي

في خضم الجدل الذي يصاحب سباق الدراما الرمضانية كل عام في مصر، كتب المخرج المصري “عمرو سلامة” منشورًا لافتًا على مواقع التواصل الاجتماعي، جاء تعليقًا على حالة التوتر والتراشق التي ظهرت بين بعض الفنانين والمخرجين حول نسب المشاهدة والنجاح الجماهيري، حيث تحولت المنافسة الفنية في بعض اللحظات إلى سجال علني على المنصات الرقمية، في ذلك المنشور استحضر سلامة مفارقة تاريخية مهمة، مفادها أن كثيرًا من المبدعين الذين أصبحوا لاحقًا علامات كبرى في الأدب والفن لم يكونوا في زمنهم الأكثر مبيعًا أو الأعلى إيرادًا، بل إن بعضهم لم يحظ باعتراف واسع إلا بعد سنوات طويلة.

هذه الملاحظة تفتح سؤالًا أعمق من مجرد خلاف موسمي بين أعمال درامية، لأنها تتعلق بطبيعة العلاقة بين الإبداع والسوق، وبين القيمة الفنية والنجاح اللحظي، وهل يمكن بالفعل قياس الإبداع بمنطق السباق كما يحدث في كثير من الصناعات الترفيهية اليوم.

من أبرز الأمثلة العربية على ذلك تجربة الكاتب المصري نجيب محفوظ، الذي بدأ مسيرته الأدبية في أربعينيات القرن العشرين، ونشر عشرات الروايات قبل حصوله على جائزة نوبل في الأدب عام 1988، وعلى الرغم من مكانته الكبيرة في الأوساط الأدبية، فإن أعماله لم تكن دائمًا الأعلى مبيعًا في السوق العربية في تلك الفترات، فقد كانت روايات كتّاب مثل يوسف السباعي أو إحسان عبد القدوس تحقق انتشارًا جماهيريًا أوسع في أزمنة معينة، لكن جائزة نوبل أعادت تقديم محفوظ إلى العالم وإلى القارئ العربي نفسه، وبدأت طبعات جديدة من أعماله تنتشر على نطاق واسع بعد تلك اللحظة، حتى أصبح لاحقًا أحد أهم رموز الأدب العربي في القرن العشرين.

تاريخ السينما المصرية يقدم نموذجًا مشابهًا لهذه المفارقة، فالمخرج يوسف شاهين، الذي يُعد اليوم أحد أبرز المخرجين في تاريخ السينما العربية، لم يكن صاحب الإيرادات الأعلى في شباك التذاكر خلال معظم مراحل مسيرته، إذ كانت الأفلام التجارية وأفلام المقاولات في السبعينيات والثمانينيات تحقق عوائد مالية أكبر بكثير من أفلامه، وهو الأمر نفسه الذي يمكن ملاحظته في تجارب مخرجين كبار مثل محمد خان وداوود عبد السيد، حيث لم تكن أفلامهم دائمًا في صدارة الإيرادات، لكنها أصبحت لاحقًا جزءًا من تاريخ السينما العربية وموضوعًا للدراسة النقدية والأكاديمية.

هذه المفارقة بين النجاح التجاري السريع والقيمة الفنية طويلة الأمد ليست مجرد انطباع ثقافي، فقد أظهرت دراسة منشورة في “Journal of Cultural Economics” عام 2013 أن كثيرًا من الأعمال الفنية التي تُعد لاحقًا مؤثرة في تاريخ الفن لم تحقق بالضرورة نجاحًا تجاريًا كبيرًا في وقت صدورها، لأن الأسواق الثقافية تميل غالبًا إلى تفضيل الأعمال الأكثر سهولة وانتشارًا في اللحظة الراهنة، بينما تحتاج الأعمال الأكثر اختلافًا أو تجديدًا إلى وقت أطول حتى تجد جمهورها الحقيقي.

التاريخ العالمي للفنون يقدم أمثلة أكثر درامية على هذه الظاهرة، فالرسام الهولندي فينسنت فان جوخ لم يبع خلال حياته سوى لوحة واحدة تقريبًا وفق ما تشير إليه مراسلاته وسيرته، وقد توفي عام 1890 دون أن يحظى باعتراف واسع بقيمة أعماله، لكن لوحاته أصبحت لاحقًا من أكثر الأعمال تأثيرًا في تاريخ الفن الحديث، وتُباع اليوم بملايين الدولارات في المزادات العالمية.

الموسيقي الألماني يوهان سباستيان باخ عاش تجربة مشابهة، فعلى الرغم من أن اسمه يُعد اليوم أحد أعمدة الموسيقى الكلاسيكية، فإن موسيقاه بعد وفاته عام 1750 دخلت مرحلة طويلة من الإهمال النسبي قبل أن يعاد اكتشافها في القرن التاسع عشر، خصوصًا بعد أن أعاد الموسيقار فيليكس مندلسون تقديم أعماله عام 1829، وهو الحدث الذي أعاد موسيقى باخ إلى مركز الاهتمام الأوروبي.

وفي تاريخ السينما العالمية يظل فيلم “Citizen Kane” للمخرج أورسون ويلز مثالًا كلاسيكيًا على هذه المفارقة، فعندما عُرض الفيلم عام 1941 لم يحقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا في شباك التذاكر، لكن النقاد والمؤرخين عادوا إليه لاحقًا باعتباره أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما، وقد احتل لسنوات طويلة المركز الأول في استطلاعات مجلة “Sight & Sound” البريطانية لأعظم الأفلام في التاريخ.

حتى في الموسيقى العربية يمكن ملاحظة هذا النمط، فالموسيقار سيد درويش، الذي يُعد اليوم أحد أهم المجددين في تاريخ الموسيقى العربية، لم يحظ في حياته باعتراف واسع يوازي تأثيره اللاحق، وقد توفي عام 1923 وهو في سن الحادية والثلاثين، لكن أعماله عادت بقوة إلى المجال الثقافي المصري بعد عقود، خصوصًا مع إعادة إحياء تراثه في المسرح والإذاعة والسينما خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

هذه الأمثلة المتكررة تكشف مفارقة عميقة في علاقة الإبداع بالزمن، فالسوق الثقافية غالبًا ما تعمل وفق إيقاع سريع يبحث عن النجاح الفوري، بينما يعمل الإبداع الحقيقي وفق إيقاع أطول يحتاج إلى زمن حتى يُفهم ويُستوعب ويجد موقعه في الذاكرة الثقافية.

ولهذا فإن تحويل الفن أو الفكر إلى سباق جماهيري قد يكون أحد أخطر الأخطاء التي يقع فيها المبدعون أنفسهم، لأن السباق يفرض سؤالًا واحدًا على صاحبه: ماذا يريد الجمهور الآن؟ بينما يبدأ الإبداع الحقيقي غالبًا بسؤال مختلف تمامًا: ماذا أريد أن أقول أنا؟

حين يصبح الهدف هو إرضاء الجمهور اللحظي فقط، قد ينجح العمل تجاريًا، لكنه يصبح أكثر عرضة للزوال السريع، لأن ذائقة الجمهور تتغير بسرعة، أما العمل الذي ينطلق من رؤية فنية أو فكرية صادقة فقد لا يحظى بالاعتراف فورًا، لكنه يمتلك فرصة أكبر للبقاء.

أشار الباحث الأمريكي كريس أندرسون في كتابه “The Long Tail” الصادر عام 2006 إلى أن الأسواق الثقافية لا تعمل فقط وفق منطق الأكثر شعبية، بل إن الأعمال المختلفة أو المتخصصة قد تجد جمهورها مع مرور الوقت، خصوصًا مع توسع الوسائط الرقمية التي تسمح بإعادة اكتشاف الأعمال القديمة وإعادة تداولها.

ولهذا فإن الإبداع لا يعمل وفق خط مستقيم يتقدم فيه شخص ويتأخر آخر، بل وفق زمن طويل قد يعاد فيه تقييم الأعمال بعد سنوات أو حتى بعد رحيل أصحابها، وربما لهذا السبب تبدو فكرة السباق مضللة حين تُسقط على الفن أو الفكر.

يبقى السؤال الذي يفرض نفسه في زمن تتحول فيه الأعمال الفنية إلى أرقام مشاهدة وترتيب في قوائم المنافسة: إذا كان التاريخ مليئًا بأعمال عظيمة لم تحظ بالاعتراف في لحظتها الأولى، فهل ينبغي أن نقيس قيمة الإبداع بمنطق السباق الموسمي، أم بمنطق الزمن الذي يكشف وحده ما يبقى وما يزول؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى