إنجاز غير مسبوق في صحراء السعودية.. كيف نجحت محمية ولي العهد في فك شفرة “شبح الصحراء”؟
الترند بالعربي – متابعات
في صحراءٍ يبتلعها السكون وتبتعد فيها آثار الأقدام سريعًا تحت الرمال، سجّلت محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية إنجازًا علميًا لافتًا بعدما نجحت في تركيب أطواق تتبّع تعمل بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) على ستٍّ من قطط الرمال، ثم استرجاع هذه الأطواق بنجاح، في خطوة تُعد نادرة عالميًا بالنسبة لهذا النوع شديد المراوغة الذي يُعرف محليًا بلقب «شبح الصحراء».
لماذا يُعد «شبح الصحراء» تحديًا للعلماء؟
قط الرمال ليس مجرد قط بري صغير يعيش في الكثبان، بل هو من أكثر المفترسات الصحراوية صعوبةً في الرصد بسبب نشاطه الليلي وقدرته الاستثنائية على التخفي، إضافة إلى اعتماده على أوكار مخفية وتحرّكات متقطعة تتأثر بالحرارة والفرائس والاضطرابات البيئية، ولهذا ظلّت البيانات الميدانية الدقيقة عنه عالميًا محدودة، ما جعل أي مشروع تتبّع طويل المدى عبر أجهزة GPS إنجازًا بحثيًا بذاته.
ستة أطواق و«عودة آمنة».. ما الذي تحقق بالضبط؟
بحسب التفاصيل المعلنة، تمكّن فريق المحمية من الإمساك بستّ قطط رمال بصورة آمنة، ثلاث ذكور وثلاث إناث، وتثبيتها بأطواق GPS صُمّمت خصيصًا لهذا الغرض، ثم جرى استرجاع الأطواق لاحقًا بنجاح، وهو ما منح المشروع قيمة إضافية لأنه لا يكتفي بالرصد بل يضمن تقليل الأثر على الحيوان وإعادة استخدام معدات التتبع متى أمكن، وفق آليات فصل تلقائية مرتبطة بزمن محدد.

معايير رفاه الحيوان في قلب التجربة
المحمية أوضحت أن العمل تم بما يتماشى مع أفضل ممارسات رعاية الحيوان، مع تقييمٍ بيطري شامل قبل تزويد القطط بالأطواق، وأن وزن كل طوق كان أقل من 3% من وزن جسم الحيوان، بما يضمن عدم إعاقة الحركة الطبيعية أو الصيد أو الدخول إلى الأوكار، كما زُوِّدت الأطواق بآلية فصل زمنية تسمح بانفصالها بعد نحو ثلاثة أشهر لتقليل الإزعاج واسترجاع الجهاز.
كيف جُمعت البيانات؟ 635 ليلة وأكثر من 3 آلاف نقطة موقع
لأن قط الرمال ينشط غالبًا في الليل، تمت برمجة الأطواق لتسجيل إحداثيات GPS كل ساعتين خلال الفترة من السادسة مساءً حتى السادسة صباحًا، وعلى امتداد 635 ليلة مراقبة، تم جمع أكثر من 3 آلاف نقطة موقع، ما أتاح “خريطة سلوك” غنية لفهم النطاقات المعيشية، واستخدام الأوكار، والتفضيلات البيئية، وطبيعة التفاعلات بين الأفراد داخل البيئة الصحراوية.
ما الذي تعنيه هذه الأرقام علميًا؟
هذه الكتلة من البيانات لا تُقرأ كأرقامٍ فقط، بل كطبقات من الفهم التطبيقي، لأن معرفة أين يتحرك القط ومتى يخرج من وكره وكيف يوزع نشاطه بين مناطق مختلفة تساعد على الإجابة عن أسئلة محورية مثل: ما المساحة التي يحتاجها الفرد ليعيش بصورة مستقرة؟ وهل تتداخل نطاقات الأفراد أم تنفصل؟ وكيف يتعامل النوع مع تغيّر الموارد الموسمية؟ وأي مناطق تمثل “عصب الحياة” لهذا المفترس الصغير من حيث الصيد والاحتماء وتربية الصغار؟

البعد الجيني.. قاعدة بيانات غير مسبوقة
الجانب الأبرز في المشروع أنه لم يتوقف عند التتبع المكاني، إذ استُخدمت العينات التي جُمعت لإجراء تحليل جيني أنتج ما وُصف بأنه أشمل قاعدة بيانات علمية جُمعت لهذا النوع حتى الآن، ضمن تعاون مع مختبر “وايلد جينيز” التابع للجمعية الملكية لعلم الحيوان في اسكتلندا، وهو تعاون أفضى إلى تطوير جينوم مرجعي عالي الجودة، وكشف رؤى حول البنية العددية للنوع وعلاقاته التطورية.
سلالتان لا أربع.. ماذا تغيّر في صورة قط الرمال؟
من النتائج اللافتة التي أشار إليها الإعلان أن هذا العمل عزّز خلاصات دراسات حديثة تتجه إلى أن قط الرمال ينقسم إلى سلالتين فرعيتين وليس أربع سلالات كما كان يُشار أحيانًا، وهذه النقطة ليست تفصيلًا أكاديميًا فقط، لأن فهم البنية الوراثية والتقسيمات السكانية ينعكس مباشرة على خطط الحماية وإدارة التنوع الحيوي، خاصة عند التفكير في أي برامج مستقبلية للإكثار أو إعادة التوطين أو حماية الموائل عبر نطاقات واسعة.
لماذا تُراهن المحمية على «أصغر قطط الصحراء»؟
قد يبدو غريبًا أن يبدأ مشروع طموح لحماية التوازن البيئي بتتبّع حيوان صغير، لكن المنطق العلمي يقول إن فهم سلوك المفترسات الصغيرة هو بوابة لفهم شبكة الحياة كاملة، لأن القط الصغير يرتبط بفرائس محددة، وبمواطن نباتية بعينها، وبمنافسين ومفترسات أكبر، وأي اختلال في طبقة من هذه الطبقات يظهر سريعًا في نمطه اليومي وحركته وقدرته على الاستمرار، ولهذا اعتبر مسؤولو المحمية أن البيانات “في الوقت الحقيقي” هي المفتاح لفهم التناغم بين الفرائس والنباتات والمفترسات داخل النظام الصحراوي.
من «شبح الصحراء» إلى عودة المفترسات الكبرى
الإعلان ربط بين هذا الفهم التفصيلي وبين مسار أوسع لاستعادة التوازن داخل المحمية، عبر بناء الأسس العلمية اللازمة لتهيئة البيئة لعودة مفترسات أكبر مستقبلًا، مثل الفهد الآسيوي والنمر، بوصفها جزءًا من رؤية إعادة تأهيل المنظومات الطبيعية على المدى الطويل، بحيث لا تكون برامج الحماية مجرد مراقبة، بل إعادة بناء شبكة الحياة من القاعدة إلى القمة.
ما الذي يجعل قط الرمال «شبحًا» فعلًا؟
هذا اللقب ليس مجازًا شعريًا فقط، فهناك خصائص تجعل رصده صعبًا، منها الفراء الكثيف تحت الأقدام الذي يساعده على التحرك فوق الرمال دون أن يترك أثرًا واضحًا، وسلوك دفاعي يقوم على الانبطاح وإغماض العينين عند التعرض للضوء لتجنب انعكاس قد يكشف مكانه، إضافة إلى قدرته على التكيّف مع حرارة قاسية وجفاف ممتد وموارد متقلبة.

أهمية هذا الإنجاز في سياق حماية الحياة الفطرية
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات المناخية والضغوط البشرية على المواطن الطبيعية، تصبح البيانات الدقيقة عملة الحماية الأهم، لأن القرارات البيئية لا تُبنى على الانطباعات، بل على معرفة أين يعيش الحيوان ومتى يتحرك وما الذي يهدده بالفعل، وما المناطق التي يجب أن تُصنَّف بوصفها حساسة، وما الأنشطة التي ينبغي تنظيمها للحفاظ على “الهدوء البيئي” الذي تحتاجه الأنواع الليلية تحديدًا.
رسالة أوسع: العلم كأداة سيادة بيئية
أهمية ما حدث تتجاوز إنجازًا بحثيًا لقط الرمال، لأنها تعكس توجهًا لبناء معرفة محلية عميقة بالأنواع التي تعيش في المملكة، وتحويل الصحراء من مساحة يصعب تفسيرها إلى بيئة يمكن إدارتها بالبيانات، وهو ما يمنح خطط الاستدامة والتوازن الطبيعي مسارًا أكثر دقة، ويعزّز مكانة البرامج العلمية في العمل البيئي بدل الاكتفاء بالشعارات.
هل تركيب أطواق GPS يضر قط الرمال؟
بحسب ما أُعلن، جرى الالتزام بمعايير رعاية الحيوان، وكان وزن الطوق أقل من 3% من وزن جسم الحيوان مع تقييم بيطري شامل وآلية فصل تلقائية لتقليل الإزعاج؟
كم عدد قطط الرمال التي شملها التتبع في المحمية؟
المشروع شمل ست قطط رمال، ثلاث ذكور وثلاث إناث، وتم استرجاع الأطواق بنجاح؟
متى تُسجّل الأطواق مواقع قط الرمال؟
سُجّلت الإحداثيات كل ساعتين خلال الفترة من السادسة مساءً حتى السادسة صباحًا، لأن القط ينشط ليليًا في المقام الأول؟
ما حجم البيانات التي جمعها المشروع؟
على مدى 635 ليلة مراقبة جرى تحديد أكثر من 3 آلاف نقطة موقع عبر GPS، ما وفر تحليلات واسعة عن الحركة والأوكار والتفضيلات البيئية؟
ما الجديد في الجانب الجيني لقط الرمال؟
أُنتجت قاعدة بيانات جينية واسعة بالتعاون مع مختبر متخصص، وأسهم ذلك في تطوير جينوم مرجعي عالي الجودة ودعم نتائج تشير إلى انقسام النوع إلى سلالتين فرعيتين وليس أربعًا؟
اقرأ أيضًا: واشنطن تدفع بتعزيز جوي مفاجئ للشرق الأوسط وسط مفاوضات جنيف ورسائل هرمز



