هل غدًا رمضان.. بين الرؤية الشرعية والحسابات الفلكية

الترند العربي – خاص
يبحث الملايين في العالم العربي كل عام عن إجابة سؤال واحد في الليلة الأخيرة من شعبان: هل غدًا رمضان أم لا؟ المسألة لم تعد تقليدية كما كانت، فهي تجمع اليوم بين الرؤية البصرية الشرعية والحسابات الفلكية الدقيقة التي باتت تحدد لحظة ميلاد الهلال بثوانٍ.
الرؤية الشرعية.. أساس الإعلان الرسمي
اعتماد الرؤية البصرية للهلال هو الطريقة الشرعية التي لا تزال معظم الدول الإسلامية تتبعها في إعلان دخول شهر رمضان. تقوم لجان متخصصة في مساء التاسع والعشرين من شعبان بمراقبة السماء بعد غروب الشمس، باستخدام أدوات بصرية ومناظير دقيقة، وفي حال تمت رؤية الهلال بالعين المجردة أو بواسطة هذه الأجهزة، يُعلن رسميًا أن اليوم التالي هو أول أيام الشهر المبارك.
في كثير من الحالات، تختلف نتائج الرؤية من دولة إلى أخرى بسبب ظروف الطقس أو الموقع الجغرافي، وهو ما يفسر اختلاف بداية الصوم بين بعض البلدان. ورغم إدخال الوسائل الحديثة في عمليات الرصد، فإن القرار النهائي يظل بيد السلطات الشرعية التي تستقبل شهادات المراقبين الرسميين والمواطنين الموثوقين.
الحسابات الفلكية.. دقة السنين الحديثة
الجهات الفلكية في العالم العربي تنشر منذ أسابيع تقارير تحدد من خلالها توقيت اقتران القمر بالشمس، وهو ما يُعرف بولادة الهلال. هذه الحسابات أصبحت شبه دقيقة في تحديد الاستحالة أو الإمكانية النظرية للرؤية، اعتمادًا على بيانات مثل عمر القمر وارتفاعه عن الأفق ولون السماء بعد الغروب.
من منظور علمي، يجب أن يكون القمر قد ابتعد زاويًا مسافة كافية عن الشمس حتى يمكن رصده، وغالبًا تكون الرؤية مستحيلة في حال حدوث الاقتران قبل الغروب بزمن قصير.
ويستند الفلكيون إلى هذه المعايير للتنبؤ مقدمًا بإمكانية إعلان رمضان في بلد دون آخر، وذلك دون تدخل مباشر في الجانب الشرعي، وإنما بهدف دعم القرارات الرسمية بالمعلومات الرقمية الدقيقة.
التوازن بين الرؤية والفلك
الجدل بين الفقهاء والفلكيين لم يعد صداميًا كما في السابق، إذ تميل أغلب الدول إلى الجمع بين الرؤية الشرعية والمعطيات الفلكية. هذا النهج يضمن تحقيق المبدأ الشرعي القائم على الرؤية، مع تجنب الأخطاء المحتملة الناتجة عن الظروف الجوية أو ضعف الرؤية.
الكثير من اللجان الرسمية باتت تتلقى توقعات المراصد الفلكية قبل ساعات من الرصد، لتحديد الأماكن الأكثر احتمالًا لظهور الهلال، مما يقلل فرص الخطأ أو التضارب بين الدول.
في هذا السياق، بدأت بعض الدول مثل السعودية ومصر والإمارات باستخدام نظم إلكترونية متقدمة لرصد الهلال من خلال كاميرات عالية الدقة متصلة بشبكات رصد مركزية، وهو ما جعل إعلان دخول الشهر يتم بدقة أكبر وشفافية أمام المواطنين.
الطقس والعوامل المؤثرة في الرؤية
تأثير حالة الطقس لا يُستهان به في ليلة الترائي؛ الغبار أو السحب الخفيفة قد يكفيان لحجب الهلال الرقيق عن الأنظار. لذا تُختار مواقع مرتفعة وجافة قدر الإمكان للرصد، مثل الصحارى أو المرتفعات البعيدة عن الإضاءة الصناعية.
في بعض الدول، يتم اعتماد أكثر من موقع رصد لتقليل فرص الخطأ، بحيث تُجمع الشهادات من مناطق متفرقة وفق توقيت موحد، ليتم بعدها التحقق من مصداقيتها قبل الإعلان الرسمي.
كما تلعب زاوية الهلال بعد الغروب دورًا محوريًا، فكلما كانت قصيرة عن الأفق زادت صعوبة رؤيته، ما يجعل الفلكيين يحددون بدقة إمكانية الرؤية قبل وقت طويل من الترائي.
التنسيق بين الدول العربية
رغم التقدم في أدوات الرصد، ما زالت الدول العربية تختلف أحيانًا في إعلان بداية رمضان، لأسباب تتعلق بتباين معايير قبول الشهادة والفروقات الزمنية والمكانية.
مع ذلك، هناك تنسيق متزايد بين المراصد والهيئات الشرعية في عدد من الدول لتوحيد الجهود وتبادل البيانات. هذا التعاون يساعد على تقليل الاختلاف وكسب ثقة الجمهور في سلامة القرارات الرسمية.
وفي السنوات الأخيرة، تشهد المنصات الإعلامية الرسمية في كل دولة بثًا مباشرًا لجلسات الترائي، لإتاحة الشفافية الكاملة بشأن نتيجة الرصد أمام الناس.
كيف تُعلن الجهات الرسمية النتيجة؟
عقب انتهاء لجان الترائي من عملها في الميدان، تُرفع النتائج إلى المركز الرئيسي أو دار الإفتاء أو المحكمة العليا حسب النظام المتبع. وفي حال ثبوت الرؤية، يُذاع البيان الرسمي في نشرات الأخبار، ويُعلن أول أيام رمضان رسميًا مساء التاسع والعشرين من شعبان، أي قبل حلول الفجر بساعات.
أما إذا لم تثبت الرؤية، أو ثبت فلكيًا استحالتها رغم الشهادات، فقد يُستكمل شهر شعبان ثلاثين يومًا، التزامًا بالقاعدة الشرعية: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، وهي قاعدة تجمع بين العلم والدين في تطبيقها العملي.
المواطنون وتوقعات الغد
قبل الإعلان الرسمي بساعات، تتفاعل مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع مع تقارير المراصد والهيئات الشرعية. تظهر تحليلات شعبية وتقديرات غير رسمية، لكن معظم الناس ينتظرون البيان النهائي من الجهات المختصة نظرًا للطابع الشرعي للقرار.
وتحرص وسائل الإعلام على تغطية الحدث لحظة بلحظة، خاصة أن إعلان رمضان ينعكس فوريًا على الاستعدادات الاقتصادية والاجتماعية، من تغييرات مواعيد العمل والمواصلات وحتى البرامج التلفزيونية الرمضانية.
الجانب العلمي في تحديد الغرة
الأساس العلمي في تحديد غرة رمضان يعتمد على ما يسمى بالاقتران المركزي، وهو لحظة عبور القمر والشمس نفس خط الطول السماوي. بعد هذه اللحظة يبدأ القمر في الابتعاد نحو الغرب، وإذا غرب بعد الشمس بزمن كافٍ قد يمكن رؤيته.
الفلكيون يحددون هذا زمنياً بالدقيقة، ويشيرون إلى مدى ارتفاع القمر عن الأفق عند الغروب في كل مدينة، مما يساعد على معرفة الأماكن التي يمكن أن تُرى منها الغرة بوضوح، والأخرى التي تستحيل فيها الرؤية.
الدور الإعلامي وتأثيره في الوعي الفلكي
في السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام العربي عنصرًا فاعلاً في رفع وعي الجمهور حول الفروق بين الرؤية البصرية والحسابات الفلكية. بدلاً من الاكتفاء بعرض النتائج، صارت القنوات تقدم تقارير علمية مبسطة تشرح ظروف الرؤية ومواعيد الغروب ومصطلحات مثل (الاقتران) و(الاستطالة).
هذا التحول ساعد على تقليل الجدل الشعبي ورفع الثقة في الجهات العلمية والدينية، حيث بات الجمهور يدرك أن التباين بين الدول ليس تناقضًا، بل نتيجة طبيعية لاختلاف ظروف الرؤية.
رمضان بين الوحدة الفلكية والاختلاف الشرعي
من الناحية النظرية، يمكن توحيد بدايات الأشهر القمرية على مستوى العالم إذا تم اعتماد الحساب الفلكي فقط، إلا أن الجانب الشرعي في الإسلام يربط الصوم برؤية الهلال الفعلية لا بموعد ولادته الفلكية.
الأمر يجعل الوحدة الفلكية هدفًا علميًا مشروعًا لكنه غير ملزم فقهيًا، خاصة مع تنوع المذاهب والاختلاف في معايير قبول الشهادة. لذلك تبقى الموازنة بين العلم والرؤية هي الخيار الأقرب للواقع العملي الذي تتبعه معظم الدول الإسلامية اليوم.
التوقعات لليلة التحري القادمة
وفق الحسابات الفلكية الحالية، سيحدث الاقتران قبل غروب شمس يوم التاسع والعشرين من شعبان بفترة قصيرة، مما يجعل الرؤية بالعين المجردة شبه مستحيلة في أغلب مناطق العالم العربي. ومع ذلك، قد تسجل بعض المواقع الغربية أو الجنوبية رؤية ممكنة حسب ارتفاع الهلال وغياب العوائق الجوية.
لذلك ينتظر الجميع إعلان الجهات المعنية مساء الغد لتأكيد ما إذا كان رمضان سيبدأ فورًا أم بعد استكمال شعبان ثلاثين يومًا، وسط أجواء ترقب إيماني وإعلامي معتادة في مثل هذا الموعد من كل عام.
أسئلة شائعة
متى يُعلن رسميًا دخول شهر رمضان؟
يُعلن بعد غروب شمس يوم التاسع والعشرين من شعبان بناء على نتائج الرؤية الشرعية للهلال.
هل تعتمد بعض الدول على الحساب الفلكي فقط؟
نعم، بعض الدول تأخذ بالحساب الفلكي المباشر لتحديد بدايات الأشهر، لكن الأغلبية ما تزال تشترط الرؤية البصرية الشرعية.
لماذا تختلف الدول في بداية رمضان؟
تختلف بسبب تباين الأفق الجغرافي لكل دولة، واختلاف معايير قبول الشهادات، إضافة إلى اختلاف التوقيت في ظهور الهلال بين الشرق والغرب.
هل يمكن رؤية الهلال بالعين المجردة في كل عام؟
ليس دائمًا، فالرؤية تعتمد على عدة عوامل فلكية وجوية، منها عمر الهلال وارتفاعه بعد الغروب وصفاء الجو.



