منوعات

الذهب الملعون يعود من قلب الأمازون.. منجم سيرا بيلادا يشعل صراعًا بين الاقتصاد والبيئة بعد 30 عامًا من الصمت

الترند العربي – متابعات

بعد أكثر من ثلاثة عقود من الإغلاق والجمود، عاد اسم منجم «سيرا بيلادا» للذهب في ولاية بارا شمالي البرازيل إلى الواجهة مجددًا، ليوقظ ذاكرة واحدة من أشهر حُمّى الذهب في التاريخ الحديث، ويفتح في الوقت ذاته بابًا واسعًا للجدل بين من يرونه فرصة اقتصادية ضائعة يجب استعادتها، ومن يحذّرون من كارثة بيئية قد تمتد آثارها لعقود.

المنجم الذي تحوّل في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات إلى مقصد لعشرات الآلاف من الباحثين عن الثراء السريع، أصبح اليوم موقعًا مهجورًا ظاهريًا، لكنه يعجّ بنشاط غير رسمي يجري ليلًا، بعيدًا عن أعين الرقابة، وسط مخاوف متزايدة تتعلق بالسلامة العامة والبيئة والنظام القانوني.

الذهب الملعون يعود من قلب الأمازون.. منجم سيرا بيلادا يشعل صراعًا بين الاقتصاد والبيئة بعد 30 عامًا من الصمت
الذهب الملعون يعود من قلب الأمازون.. منجم سيرا بيلادا يشعل صراعًا بين الاقتصاد والبيئة بعد 30 عامًا من الصمت

سيرا بيلادا.. من حُمّى الذهب إلى أرض مهجورة

شكّل منجم سيرا بيلادا في ذروة نشاطه أحد أكبر مواقع التعدين اليدوي في العالم، حيث اندفع آلاف العمال إلى الحفر بأدوات بدائية في مشهد أيقوني جسّد قسوة البحث عن الذهب. ومع تراجع الجدوى الاقتصادية وتشديد القوانين البيئية، أُغلق المنجم في التسعينات، ليدخل في مرحلة طويلة من الإهمال.

غير أن الإغلاق الرسمي لم يُنهِ النشاط فعليًا، إذ تحوّل الموقع مع مرور السنوات إلى مقصد لمستخرجين غير نظاميين، يحفرون في ظروف خطرة، مستغلين غياب البنية التنظيمية والرقابية، ما أدى إلى تآكل التضاريس وظهور مخاطر جسيمة تهدد حياة العاملين والسكان المجاورين.

الذهب الملعون يعود من قلب الأمازون.. منجم سيرا بيلادا يشعل صراعًا بين الاقتصاد والبيئة بعد 30 عامًا من الصمت
الذهب الملعون يعود من قلب الأمازون.. منجم سيرا بيلادا يشعل صراعًا بين الاقتصاد والبيئة بعد 30 عامًا من الصمت

حفريات ليلية ومخاطر معلّقة

التقارير الميدانية تشير إلى أن المنطقة تشهد عمليات استخراج غير رسمية تتم غالبًا خلال ساعات الليل، حيث تُحفر الأنفاق بشكل عشوائي دون أي معايير هندسية أو إجراءات سلامة، ما يزيد من احتمالات الانهيارات الأرضية والحوادث القاتلة.

وتُظهر صور حديثة وجود منحدرات متآكلة، وبرك مياه ملوثة، وهياكل دعم متهالكة، تشكّل جميعها خطرًا مباشرًا على البشر والبيئة المحيطة، في مشهد يعكس حجم الفوضى التنظيمية التي تحيط بالموقع.

الذهب الملعون يعود من قلب الأمازون.. منجم سيرا بيلادا يشعل صراعًا بين الاقتصاد والبيئة بعد 30 عامًا من الصمت
الذهب الملعون يعود من قلب الأمازون.. منجم سيرا بيلادا يشعل صراعًا بين الاقتصاد والبيئة بعد 30 عامًا من الصمت

دور الأمم المتحدة وتحذيرات بيئية مبكرة

تتولى منظمة planetGOLD، المدعومة من الأمم المتحدة، دراسة الآثار البيئية المتبقية من التعدين الحرفي المهجور في منطقة سيرا بيلادا، ضمن جهود أوسع لمواجهة التلوث الناتج عن التعدين غير النظامي في غابات الأمازون المطيرة.

وتشير الدراسات الأولية إلى أن الموقع لا يلتزم حاليًا بالقوانين البيئية الصارمة المعمول بها في البرازيل، خصوصًا في ظل غياب شبه كامل للبنية التحتية الفنية اللازمة لتشغيل المناجم بشكل آمن ومستدام.

الزئبق.. الخطر الصامت في قلب الأمازون

تُعد التجارة غير القانونية بالزئبق واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بإعادة فتح المنجم أو استمرار النشاط غير الرسمي فيه. ويُستخدم الزئبق على نطاق واسع في عمليات فصل الذهب، رغم آثاره الكارثية على البيئة وصحة الإنسان.

بين عامي 2018 و2022، استهلكت البرازيل نحو 254 طنًا من الزئبق لإنتاج ما يقارب 127 طنًا من الذهب، في حين لم تتجاوز الواردات الرسمية من الزئبق خلال الفترة نفسها 68.7 طنًا فقط، ما يكشف بوضوح عن وجود سوق سوداء نشطة وخلل كبير في منظومة الرقابة.

هذا الفارق الضخم يثير تساؤلات جدية حول قدرة السلطات على السيطرة على سلاسل التوريد، ويؤكد أن أي محاولة لإعادة تشغيل المنجم دون إصلاح جذري قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة بدل حلها.

الاقتصاد المحلي بين الأمل والمغامرة

يرى عدد من السكان المحليين والتعاونيات العمالية أن إعادة تشغيل منجم سيرا بيلادا تمثل فرصة حقيقية لإنعاش الاقتصاد المتعثر في المنطقة، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتراجع مصادر الدخل منذ إغلاق المنجم قبل أكثر من ثلاثين عامًا.

ويعوّل هؤلاء على أن يعود التعدين المنظم كمحرّك أساسي للنمو المحلي، عبر توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وإعادة الحياة إلى مجتمعات عانت طويلًا من التهميش الاقتصادي.

مخاوف بيئية تتجاوز حدود المنطقة

في المقابل، يحذّر خبراء البيئة من أن أي نشاط تعديني جديد في المنطقة قد يُلحق أضرارًا طويلة الأمد بغابات الأمازون المطيرة، التي تُعد من أهم النظم البيئية في العالم.

ويؤكد هؤلاء أن التلوث الناتج عن الزئبق لا يختفي بسهولة، بل يتغلغل في التربة والمياه الجوفية، وينتقل عبر السلسلة الغذائية، ما يهدد الحياة البرية وصحة السكان المحليين على حد سواء، وقد تستمر آثاره لعشرات السنين.

اشتراطات صارمة وتكلفة مرتفعة

يشدد الخبراء على أن إعادة تشغيل المنجم، إن حدثت، يجب أن تخضع لبروتوكولات صارمة للصحة والسلامة، تشمل القضاء التدريجي على استخدام الزئبق، واعتماد تقنيات حديثة أقل ضررًا، إضافة إلى تأهيل البنية التحتية وضمان الرقابة المستمرة.

غير أن هذه المتطلبات تستلزم استثمارات ضخمة، ما يطرح تساؤلًا حول جدوى المشروع اقتصاديًا، وقدرة الجهات المعنية على الالتزام بمعايير الاستدامة في بيئة معقدة مثل الأمازون.

سؤال مفتوح بلا إجابة سهلة

يبقى منجم سيرا بيلادا مثالًا صارخًا على التحدي العالمي في التوفيق بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. فبين الإغراءات المالية للذهب، والمخاطر البيئية والصحية الهائلة، تقف السلطات والمجتمعات المحلية أمام خيار صعب لا يحتمل حلولًا وسطية سهلة.

هل يمكن إعادة تشغيل «الذهب الملعون» دون أن يتحوّل إلى لعنة جديدة على الأمازون وسكانها؟ سؤال لا يزال مفتوحًا، وإجابته ستحدّد ملامح مستقبل المنطقة لسنوات طويلة مقبلة.

اقرأ أيضًا: الرياض تفتح بوابة جديدة للعالم.. أمير المنطقة يدشّن الصالة الدولية 2 ويضاعف طاقة مطار الملك خالد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى