غرينلاند من الهامش إلى الصدارة.. لماذا أعادها ترامب إلى قلب الصراع العالمي؟
الترند العربي – متابعات
لم يكن وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب لجزيرة غرينلاند بأنها «مجرد قطعة جليد» تعبيراً عابراً أو زلة لسان في خطاب سياسي، بل كان مدخلاً لفتح ملف جيوسياسي بالغ الحساسية، أعاد أكبر جزيرة في العالم من أطراف الجغرافيا إلى مركز الاهتمام الدولي، وأثار تساؤلات واسعة حول قيمتها الاستراتيجية، وحدود الطموح الأميركي، ومستقبل التوازنات في القطب الشمالي.
تصريحات ترامب خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لم تمر مرور الكرام، إذ ربط فيها رغبته بضم غرينلاند مباشرة بالأمن القومي الأميركي والأوروبي، وأمن القطب الشمالي، مؤكداً أنه لا يسعى إلى استخدام القوة العسكرية، بل إلى مفاوضات مع الحلفاء، في طرح أعاد إلى الأذهان منطق الصفقات الجغرافية الذي ساد القرن التاسع عشر.

غرينلاند ليست مجرد جزيرة
بعيداً عن الوصف الساخر، تُعد غرينلاند أكبر جزيرة في العالم من حيث المساحة، إذ تمتد على أكثر من 2.16 مليون كيلومتر مربع، ما يجعلها أكبر من مجموع مساحات عدة دول أوروبية كبرى مجتمعة. هذا الامتداد الجغرافي الهائل يمنحها وزناً استثنائياً في أي معادلة استراتيجية تتعلق بالملاحة، أو الدفاع، أو الموارد.
ورغم أن الجليد يغطي أكثر من 80 في المئة من مساحتها، فإن ما تختزنه تحت هذا الغطاء الأبيض هو ما يجعلها محط أنظار القوى الكبرى، وليس فقط ما يظهر على سطحها.
موقع استراتيجي في قلب القطب الشمالي
تقع غرينلاند في نقطة تماس حساسة بين أميركا الشمالية وأوروبا، وتشكل حلقة وصل جغرافية وعسكرية بين ضفتي الأطلسي، وقاعدة متقدمة في منظومة الأمن القطبي. هذا الموقع جعلها تاريخياً جزءاً من الحسابات الدفاعية الأميركية منذ الحرب الباردة، ولا تزال حتى اليوم تلعب دوراً محورياً في منظومات الإنذار المبكر.
ومع تزايد أهمية القطب الشمالي في الاستراتيجيات العسكرية والاقتصادية، بات موقع غرينلاند أكثر حساسية من أي وقت مضى.

قاعدة ثول والبعد العسكري
تستضيف غرينلاند قاعدة “ثول” الجوية الأميركية، إحدى أهم قواعد الإنذار المبكر في العالم، والتي تشكل عنصراً أساسياً في منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية. هذه القاعدة ليست مجرد منشأة عسكرية، بل تمثل رمزاً للوجود الأميركي طويل الأمد في الجزيرة، ودليلاً على أن غرينلاند كانت دائماً ضمن الحسابات الاستراتيجية لواشنطن، حتى قبل تصريحات ترامب.
ويرى محللون أن أي حديث عن ضم غرينلاند لا يمكن فصله عن هذا الوجود العسكري، الذي يمنح الولايات المتحدة نفوذاً فعلياً على الأرض.
ثروات تحت الجليد
أحد أهم أسباب الاهتمام العالمي بغرينلاند يكمن في ثرواتها الطبيعية الهائلة، خصوصاً المعادن النادرة التي تدخل في صناعات التكنولوجيا المتقدمة، والبطاريات، والطاقة المتجددة. هذه الموارد تُعد اليوم من أكثر عناصر الصراع الاقتصادي حدة بين القوى الكبرى، في ظل سعي الدول لتأمين سلاسل إمداد مستقلة.
ذوبان الجليد، رغم مخاطره البيئية، كشف عن فرص اقتصادية جديدة، وجعل الوصول إلى هذه الموارد أكثر واقعية، ما زاد من شهية المستثمرين والدول على حد سواء.

ذوبان الجليد والممرات البحرية
التغير المناخي لم يغيّر فقط ملامح البيئة في غرينلاند، بل أعاد رسم خريطة الملاحة العالمية. فتح ممرات بحرية جديدة في القطب الشمالي بات احتمالاً متزايداً، ما قد يختصر طرق التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية.
هذه التحولات تجعل غرينلاند عنصراً محورياً في مستقبل التجارة العالمية، وليس مجرد جزيرة نائية كما كانت تُصوَّر في السابق.
التبعية للدنمارك والحكم الذاتي
سياسياً، تتبع غرينلاند مملكة الدنمارك، لكنها تتمتع بحكم ذاتي واسع منذ عام 1979، ما يمنحها استقلالية كبيرة في إدارة شؤونها الداخلية. ورغم ذلك، تبقى السياسة الخارجية والدفاع من اختصاص كوبنهاغن، وهو ما يجعل أي حديث عن بيع أو ضم الجزيرة مسألة سيادية بالغة التعقيد.
الحكومة المحلية في غرينلاند وسكانها عبّروا مراراً عن رفضهم لأي نقاش حول بيع الجزيرة أو ضمها، مؤكدين تمسكهم بحق تقرير المصير.
عدد سكان قليل وتأثير عالمي
يبلغ عدد سكان غرينلاند نحو 60 ألف نسمة فقط، وهو رقم ضئيل مقارنة بحجمها الجغرافي الهائل، لكنه لا يقلل من تأثيرها العالمي. هذا التناقض بين المساحة الشاسعة والكثافة السكانية المنخفضة جعل الجزيرة عرضة لتجاذبات القوى الكبرى، في ظل محدودية القدرة المحلية على استغلال الموارد دون شراكات خارجية.

غرينلاند في قلب التنافس الدولي
لم تعد غرينلاند ملفاً أميركياً دنماركياً فحسب، بل تحولت إلى ساحة تنافس مفتوحة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. موسكو تسعى لتعزيز نفوذها في القطب الشمالي، وبكين تنظر إلى المنطقة باعتبارها جزءاً من “طريق الحرير القطبي”، ما يضيف بعداً جديداً للصراع على الجزيرة.
في هذا السياق، تأتي تصريحات ترامب كجزء من سباق أوسع للسيطرة والنفوذ، وليس مجرد رغبة شخصية أو خطاب انتخابي.
ترامب ومنطق الصفقات الجغرافية
طرح ترامب يعكس رؤية سياسية تقوم على منطق الصفقات، حيث تُختزل الجغرافيا أحياناً في حسابات الربح والخسارة. وصفه لغرينلاند بـ«قطعة جليد» كان محاولة لتبسيط الفكرة أمام الرأي العام الأميركي، لكنه في الواقع كشف عن إدراك عميق لأهميتها الاستراتيجية.
هذا الخطاب، وإن بدا صادماً، يعكس تحوّلاً في طريقة التفكير الأميركي تجاه الجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين.
ردود الفعل الأوروبية
أثارت تصريحات ترامب قلقاً واسعاً في أوروبا، خاصة في ظل حساسيات العلاقات عبر الأطلسي، وعودة الحديث عن السيادة والحدود. بعض القادة الأوروبيين اعتبروا الطرح الأميركي تجاوزاً غير مقبول، فيما رأى آخرون أنه يعكس تصاعد التوترات في النظام الدولي.
هذه الردود أكدت أن غرينلاند لم تعد قضية محلية، بل ملفاً دولياً بامتياز.
من جزيرة نائية إلى ملف ساخن
خلال سنوات قليلة، انتقلت غرينلاند من جزيرة شبه منسية في أقصى الشمال إلى عنوان رئيسي في النقاشات الجيوسياسية العالمية. هذا التحول السريع يعكس طبيعة المرحلة الدولية الراهنة، حيث تعاد صياغة موازين القوة على وقع التغير المناخي، والتنافس الاقتصادي، والتحولات العسكرية.
هل يتغير مستقبل غرينلاند؟
رغم الضجيج السياسي، يبقى مستقبل غرينلاند مرهوناً بإرادة سكانها، وبالتوازنات الدولية المعقدة. الحديث عن الضم قد لا يتجاوز إطار التصريحات، لكنه بلا شك أعاد تسليط الضوء على جزيرة ستظل لاعباً صامتاً في صراعات الكبار.
لماذا يريد ترامب غرينلاند؟
يرى ترامب أن غرينلاند عنصر أساسي في الأمن القومي الأميركي وأمن القطب الشمالي، إضافة إلى قيمتها الاستراتيجية والاقتصادية.
هل يمكن قانونياً ضم غرينلاند؟
الأمر معقد للغاية، لأنها تتبع الدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي، وأي تغيير في وضعها يتطلب موافقات سياسية وشعبية.
ما أهمية غرينلاند عسكرياً؟
تضم قاعدة أميركية مهمة للإنذار المبكر، وتقع في موقع استراتيجي حاسم بين أميركا وأوروبا.
هل غرينلاند غنية بالموارد؟
نعم، تحتوي على معادن نادرة وموارد طبيعية مهمة، زادت أهميتها مع التقدم التكنولوجي.
هل سكان غرينلاند يؤيدون الضم؟
لا، الحكومة المحلية وسكان الجزيرة يرفضون أي حديث عن البيع أو الضم، ويتمسكون بحق تقرير المصير.
اقرأ أيضًا: السعودية تعزّز حضورها الثقافي عربيًا ودوليًا بمشاركة واسعة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026