منوعات

ثوران غير مسبوق لبركان «هايلي غوبي» بعد 12 ألف عام.. حدث جيولوجي يهزّ المنطقة ويعيد رسم خرائط المخاطر

الترند العربي – متابعات

شهد القرن الحادي والعشرون حتى الآن عشرات الأحداث الطبيعية الكبرى، من زلازل وبراكين وأعاصير، لكن قليلًا منها حمل البعد التاريخي والعلمي الذي رافق ثوران بركان «هايلي غوبي» شمال شرق إثيوبيا خلال الساعات الـ48 الماضية. فالمشهد الذي سجّلته الأقمار الصناعية ورصدته مراكز البراكين العالمية لم يكن مجرد نشاط بركاني عابر، بل انفجار جيولوجي هو الأول من نوعه منذ 12 ألف عام، وهو رقم يضع الحدث ضمن فئة الظواهر الطبيعية النادرة التي تغيّر فهم العلماء لأنماط السكون الجيولوجي.

لم يتوقف التأثير عند حدود إثيوبيا، بل امتدت تداعياته إلى أجواء اليمن وسلطنة عُمان والهند وباكستان، وامتدت سحب الرماد إلى ارتفاعات قياسية بلغت 14 كيلومترًا في الغلاف الجوي، مسببة اضطرابات واسعة في الطيران، ومثيرة مخاوف بيئية وزراعية وتغيرات محتملة في جودة الهواء.

ثوران غير مسبوق لبركان «هايلي غوبي» بعد 12 ألف عام.. حدث جيولوجي يهزّ المنطقة ويعيد رسم خرائط المخاطر
ثوران غير مسبوق لبركان «هايلي غوبي» بعد 12 ألف عام.. حدث جيولوجي يهزّ المنطقة ويعيد رسم خرائط المخاطر

موقع البركان.. قلب الصدع الإفريقي العظيم

يقع بركان «هايلي غوبي» في إقليم عفر شمال شرق إثيوبيا، وعلى بعد نحو 800 كيلومتر من العاصمة أديس أبابا، بالقرب من الحدود مع إريتريا. وهذه المنطقة ليست مجرد نطاق جغرافي على الخريطة، بل أحد أجزاء وادي الصدع الإفريقي العظيم الذي يشهد فصلًا تدريجيًا للقارة الإفريقية عبر ملايين السنين.

ويُعد إقليم عفر من أكثر المناطق نشاطًا جيولوجيًا في العالم، حيث تتداخل فيه الصفائح التكتونية، ومع ذلك ظل بركان «هايلي غوبي» صامتًا طوال العصر الهولوسيني، وهو عصر يمتد لآلاف السنين. هذا السكون الطويل جعل البركان خارج دائرة المراقبة المكثّفة، إلى أن جاءت الساعات الماضية لتكشف أنه كان راقدًا تحت هدوءٍ مضلّل.

ثوران غير مسبوق لبركان «هايلي غوبي» بعد 12 ألف عام.. حدث جيولوجي يهزّ المنطقة ويعيد رسم خرائط المخاطر
ثوران غير مسبوق لبركان «هايلي غوبي» بعد 12 ألف عام.. حدث جيولوجي يهزّ المنطقة ويعيد رسم خرائط المخاطر

خلفية علمية.. ماذا يعني ثوران بعد 12 ألف عام؟

بحسب برنامج علم البراكين العالمي التابع لمؤسسة «سميثسونيان»، لم يسجّل البركان أي نشاط منذ بداية الهولوسين. وأكد عالم البراكين في جامعة ميشيغن، سايمن كارن، عبر منصة «بلوسكاي»، أن البركان «لم يُظهر أي مؤشر على نشاط ملحوظ طوال آلاف السنين»، وأن الثوران الحالي يمثل «حالة جيولوجية غير متوقعة تستدعي دراسة معمّقة».

يثير هذا الثوران أسئلة كبرى لدى علماء الجيولوجيا:

• هل نحن أمام دورة جديدة من النشاط في الصدع الإفريقي؟
• هل يعكس الثوران تحوّلات في الضغط التكتوني تحت المنطقة؟
• وهل يمكن أن تكون هناك براكين أخرى في المنطقة تتأهب لنشاط مشابه؟

هذه الأسئلة ليست مجرد تحليلات أكاديمية، بل عناصر تدخل في تقييم المخاطر البيئية والجوية لدول المنطقة.

ثوران غير مسبوق لبركان «هايلي غوبي» بعد 12 ألف عام.. حدث جيولوجي يهزّ المنطقة ويعيد رسم خرائط المخاطر
ثوران غير مسبوق لبركان «هايلي غوبي» بعد 12 ألف عام.. حدث جيولوجي يهزّ المنطقة ويعيد رسم خرائط المخاطر

أعمدة رماد ترتفع إلى 14 كيلومترًا.. ماذا يعني ذلك جويًا؟

وفق مركز «تولوز» لرصد الرماد البركاني، قذف «هايلي غوبي» أعمدة رماد كثيفة وصلت إلى ارتفاع 14 كيلومترًا في الغلاف الجوي. يعتبر هذا الارتفاع مؤشرًا على ثوران قوي يملك القدرة على التأثير في:

• حركة الطيران
• جودة الهواء
• تكوّن السحب والرذاذ الحمضي
• الانعكاسات المناخية إذا استمر لفترة طويلة

تصاعدت مقاطع فيديو تُظهر سحبًا بيضاء ورمادية ضخمة، تتصاعد من فوهة البركان، على نحو يؤكد حجم الانفجار، في حين ذكرت مصادر محلية أن المنطقة تشهد اهتزازات خفيفة وانبعاثات كبريتية متقطعة.

تأثيرات عابرة للحدود.. من اليمن إلى باكستان

لم يبق الرماد ضمن حدود إثيوبيا. وتظهر صور الأقمار الصناعية حزامًا ممتدًا من الغبار البركاني:

• عبر اليمن
• فوق أجزاء من سلطنة عُمان
• باتجاه شمال الهند
• وصولًا إلى شمال باكستان

وتشير البيانات إلى احتمال استمرار حركة الرماد خلال الأيام المقبلة إذا تجدد النشاط.

في الهند، أثارت السلطات مخاوف من أن تتسبب الجزيئات الدقيقة في هطول أمطار حمضية على مناطق زراعية حساسة، خصوصًا أن شمال الهند يُعد من أهم مناطق سلال الغذاء عالميًا. وقد حذّرت هيئة الأرصاد الهندية من احتمال تغيّر جودة الهواء وارتفاع الملوثات الكبريتية.

وفي سلطنة عُمان، أكدت هيئة البيئة أن مستويات الهواء ضمن الحدود الطبيعية، مع استمرار المراقبة الدقيقة لأي تغيرات.

اضطرابات في الطيران.. مسارات تتغير واحتياطات تتصاعد

أصبح مشهد الطائرات التي تعيد توجيه مسارها بسبب الرماد البركاني عنصرًا أساسيًا في الأحداث الجوية الكبرى، وثوران «هايلي غوبي» لم يكن استثناء.

• هبطت طائرة متجهة من كانور الهندية إلى أبوظبي اضطراريًا في مطار أحمد آباد.
• كما هبطت طائرة هندية أخرى في أبوظبي لفحص المحركات قبل إعادتها إلى الهند.

تتعامل شركات الطيران عالميًا مع الرماد البركاني باعتباره خطرًا مباشرًا على المحركات، حيث يمكن أن يذوب الرماد في درجات الحرارة المرتفعة داخل المحرك ويتصلب، ما يؤدي إلى تلف كارثي.

وأكدت شركة «أكاسا للطيران» التزامها بالتعليمات الدولية، مضيفة أن «سلامة الركاب في المقام الأول، وعمليات التحويل تأتي كإجراء وقائي».

بيانات «فلايت رادار 24» أظهرت نطاقًا واسعًا من التحويلات الجوية فوق بحر العرب وشمال المحيط الهندي، في مشهد يعكس التأثير الكبير للثوران.

مخاوف على خطوط الملاحة جنوب البحر الأحمر

تتزايد المخاوف من أن يمتد الرماد أو الغازات البركانية باتجاه خطوط الملاحة جنوب البحر الأحمر، وهي منطقة تعتبر شريانًا حيويًا للتجارة العالمية. ورغم عدم تسجيل مستويات مؤثرة حتى الآن، فإن خبراء الملاحة يؤكدون أن:

• استمرار النشاط البركاني قد يفرض قيودًا على بعض المسارات
• الرياح الموسمية قد تغير اتجاه حركة الرماد نحو البحر الأحمر
• انبعاثات الكبريت قد تؤثر في بعض الأنظمة الميكانيكية للسفن

هذه الاحتمالات لا تزال قيد التقييم، لكنها ضمن السيناريوهات التي تتابعها شركات الملاحة والمؤسسات البحرية.

لماذا يثير هذا الثوران كل هذا الاهتمام العلمي؟

لا يعود السبب فقط إلى ارتفاع الرماد أو التأثير الإقليمي، بل إلى أن البركان ظل خاملاً لمدة 12 ألف عام، وهو ما يسميه الجيولوجيون «النوم العميق». وتقول الدراسات إن البراكين التي تنفجر بعد فترات سكون طويلة تميل إلى أن تكون:

• غير متوقعة
• ذات نشاط متقلب
• محتملة الدخول في دورات طويلة من الانبعاثات
• تحمل تأثيرات بيئية أوسع بسبب تراكم الضغط الداخلي

وبالتالي، فإن «هايلي غوبي» أصبح الآن في قلب اهتمام المؤسسات العلمية، ليس بوصفه حدثًا محليًا، بل نموذجًا لظاهرة نادرة قد تساعد العلماء على فهم مستقبل النشاط البركاني في منطقة الصدع الإفريقي.

قراءة بيئية.. هل هناك مخاوف من الأمطار الحمضية؟

انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت (SO₂) المصاحبة للانفجارات البركانية قد تتفاعل مع بخار الماء لإنتاج حمض الكبريتيك، وهو ما يؤدي إلى أمطار حمضية محتملة إذا وصلت الكميات إلى مستويات كبيرة.

وهناك ثلاثة عوامل تجعل هذه المخاوف مطروحة:

1. ارتفاع سحب الرماد إلى 14 كيلومترًا يجعلها قادرة على الانتقال لمسافات طويلة.
2. اتجاه الرياح نحو مناطق زراعية حرجة في الهند وباكستان.
3. استمرار رصد مستويات متصاعدة من الكبريت في نطاقات متقطعة.

حتى الآن، لا توجد تقارير مؤكدة عن أمطار حمضية، لكن الجهات البيئية في الهند سارعت إلى إصدار نشرات تنبيهية لمراقبة أي تغيرات في مستويات الكبريتات في الغلاف الجوي.

الجانب الإنساني.. هل توجد خسائر بشرية؟

رغم ضخامة الثوران وقربه من مناطق مأهولة جزئيًا، لم تعلن السلطات الإثيوبية عن وقوع خسائر بشرية حتى إعداد هذا التقرير. ويعود ذلك إلى:

• بعد التجمعات السكانية عن مركز البركان
• سرعة انتشار المعلومات وتحذيرات الإخلاء الأولية
• محدودية النشاط البشري في محيط البركان

ومع ذلك، تبقى المخاوف من موجات غازية قد تؤثر في بعض القرى، خصوصًا إذا تجدد الثوران.

سياق أوسع.. هل ترتبط هذه الظاهرة بنشاط البراكين عالميًا؟

يشهد العالم خلال الأعوام الأخيرة ارتفاعًا طفيفًا في عدد البراكين التي تعود للنشاط بعد فترات خمول طويلة. ويرى بعض الباحثين أن:

• تغير المناخ قد يؤثر بصورة غير مباشرة في الضغوط الجيولوجية.
• التحولات في الضغط الجليدي في القطبين قد تُحدث تغييرات جيوديناميكية.
• هناك دور محتمل للزلازل العميقة في إعادة تنشيط بعض الفتحات البركانية.

لكن لا تزال هذه النظريات قيد البحث، ولا يوجد دليل قاطع على علاقة مباشرة بين المناخ والبراكين.

تقييم شامل.. ماذا يعني ثوران «هايلي غوبي» للمنطقة؟

إذا استمر الثوران أو تجدد خلال الأسابيع المقبلة، فإن احتمالات التأثير ستشمل:

• تغيّرات في سماء اليمن وعُمان
• تحذيرات صحية محتملة في الهند
• اضطرابات في الطيران في مسارات آسيا–الخليج
• احتمالات أمطار حمضية على مناطق زراعية
• مراقبة بحرية مشددة جنوب البحر الأحمر

أما إذا تراجع النشاط، فسيبقى الحدث محطة علمية فاصلة في فهم سلوك البراكين النائمة.

هل يشكل البركان خطرًا مباشرًا على السعودية؟

لا تشير أي بيانات إلى وجود تأثير مباشر على أجواء المملكة حتى الآن، فحركة الرماد تتجه شرقًا وشمالًا.

هل يمكن أن يتجدد الثوران؟

نعم، البراكين التي تعود للنشاط بعد آلاف السنين قد تدخل في دورات متقطعة، لذا تستمر المراقبة العلمية.

هل سيسبب أمطارًا حمضية في المنطقة؟

الاحتمال قائم في الهند وباكستان إذا ارتفعت مستويات الكبريت، لكنه غير مرجح في الدول العربية وفقًا للبيانات الحالية.

لماذا تغيرت مسارات الطائرات؟

لأن الرماد البركاني يمكن أن يتلف محركات الطائرات، مما يجعل التحويلات الجوية إجراءً احترازيًا إلزاميًا.

هل يُعد ثوران «هايلي غوبي» الأكبر في المنطقة خلال السنوات الأخيرة؟

نعم، فهو الأول منذ 12 ألف عام، ويمثل أحد أبرز الأحداث الجيولوجية النادرة في شرق إفريقيا.

اقرأ أيضًا: بـ«مقصيّة أيقونية».. رونالدو يعتلي قمّة الجولة التاسعة ويعيد تعريف الحسم في دوري روشن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى